قال: فكيف اخترْته على القول الذي يخالفه ؟
قلت: رأيته أشبه بمعنى كتاب الله - عز وجل - وبالمعمول .
قال: وما دل عليه من كتاب اللَّه ؟
قلت: لما قال اللَّه - عز وجل: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) الآية ، كان ظاهر الآية أن من أَنظَرَهُ اللَّه أربعة
أشهر فِي شيء ، لم يكن عليه سبيل حتى تمضي أربعة أشهر.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وليس فِي الفيئة دلالة على ألَّا يفيء
الأربعة إلا مضيُّها ، لأن الجماع يكون فِي طرفة عين ، فلو كانت على ما وصفتَ تزَايَلَ حاله حتى تمضي أربعة أشهر ، ثم تزايل حالُه الأولى ، فإذا زايلها صار إلى أنُّ لله عليه حقاً ، فإمَّا أن يفيء ، وإمَّا أن يطلق.
فلو لم يكن فِي آخر الآية ما يدل على أن معناها غير ما ذهبتَ إليه ، كان
قوله أَوْلاَهُما بها ، لما وصفنا ، لأنه ظاهرها.
والقرآن على ظاهره ، حتى تأتي دلالة منه ، أو سنة ، أو إجماع ، بأنَّه على
باطن وظاهر.
قال: فما فِي سياق الآية ما يدلُّ على ما وصفت ؟.
قلت: لما ذكر اللَّه - عز وجل -: أنُّ للمولي أربعة أشهر ثم قال:
(فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) . الآيتان.
فذكر الحكمين معاً بلا فصل بينهما: أنهما إنما يقعان بعد الأربعة أشهر ، لأنَّه
إنما جعل عليه الفيئة أو الطلاق ، وجعل له الخيار فيهما فِي وقت واحد ، فلا يتقدم واحد منهما صاحبه ، وقد ذكِرا فِي وقت واحد ، كما يقال له فِي الرهن أَفْدِه أو نبيعه عليك ، بلا فصل ، وفي كل ما خُيِّر فيه افعل كذا أوكذا بلا فصل .
ثم قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فَتَكَلْمُ الموُلي بالإيلَى ليس هو طلاق.
إنَّما هي يمين ، ثم جاءت عليها مدة جعلتها طلاقاً ، أيجوز لأحد يعقل من حيث يقول: أن يقول مثل هذا إلا بخبر لازم ؟!