قال الشَّافِعِي رحمه الله: فلما حول اللَّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام صلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أكثر صلاته مما يلي الباب من جهة وجه الكعبة ، وقد صلّى من ورائها والناس معه مصطفين بالكعبة مستقبليها كلها ، مستدبرين ما ورائها من المسجد الحرام.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وقوله - عز وجل -: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)
الآية ، فشطره وتلقاؤه وجهته: واحد فِي كلام العرب.
واستدل عليه ببعض ما فِي كتاب الرسالة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع:
أخبرنا الشَّافِعِي رحمه الله قال: قال الله تبارك وتعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)
الآية.
ففرض عليهم حيث ما كانوا: أن يولوا وجوههم شطره.
وشطره: جهته فِي كلام العرب . إذا قلت: أقصد شطر كذا ، معروف أنك
تقول: أقصد قصد عين كذا ، يعني: قصد نفس كذا: وكذلك (تلقاؤه وجهته)
أي: استقبل تلقاءه وجهته ، وكلها بمعنى واحد ، وإن كانت بألفاظ مختلفة .
قال خُفَاف بن ندْبَة:
ألا من مبلغ عَمْراً رسولاً ... وما تغني الرسالة ُ شطرَ عمرو
وقال ساعدة بن جُؤَية:
أقول لأم زنباع أقيمي ... صدورَ العيسِ شطرَ بني تميم
وقال لقيط الأيادي:
وقد أظلكم من شطر ثغركم ... هول له ظُلَم تغشاكم قطعاً
وقال الشاعر:
إن العسيرَ بها داة مُخامِرُها ... فشطرها بصرُ العينينِ مَحْسُورُ
قال الشَّافِعِي رحمه الله: يريد تلقاءها بصرُ العينين ونحوها: تلقاء جهتها.
وهذا كله - مع غيره من أشعارهم - يبين أن شطر الشيء: قَصْد عين
الشيء ، إذا كان معايناً: فبالصواب (أي: التصويب إليه) ، وإن كان مغيَّباً
فبالاجتهاد والتوجُّه إليه ، وذلك أكثر ما يمكنه فيه.