{يعمهون} : العَمَهُ التَّحَيُّر والتَّرَدُّد، وأطلقه ثعلب: في من ليست له حجة، وقال ابن الأثير: العمه في البصيرة، كما أن العمى في البصر [1] .
الثانية: في هذه قسمٌ بحياة، فمن هو المقسم بحياته؟
للمفسرين في ذلك وجهين:
أ أن القسم بحياة لوط -عليه السلام-، فيكون من كلام الملائكة له، أو من كلام الله له، يدل عليه أنّ سياق القصة يقتضي ذلك.
ونستبعد أن يكون من الملائكة؛ إذ الملائكة لا تحلف إلا بالله.
فعلى هذا يكون المعنى: أن قومك بلغوا من الضلال والعمه مبلغًا عظيما
ب أن القسم بحياة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-،وعليه أكثر المفسرين، فتكون جملة معترضة، كرامة له، وقد اختلفوا في المقسوم عليهم، هل هم قريش على ما رجحه الطبري، أم قوم لوط على قول ابن عطية؟
والظاهر أنهم قريش بدلالة قوله تعالى: {إن في ذلك لآيت للمتوسمين} ، {إن في ذلك لآية للمؤمنين} ، وهو أنسب لحال للمقسوم به (محمد صلى الله عليه وسلم) .
و لايستبعد قول ابن عطية؛ إذ الذين يصدق عليهم أن السَّكرة علتهم هم قوم لوط.
ومع أن ابن العربي نقل إجماع المفسرين على أنه قسم بحياة محمد -صلى الله عليه وسلم- لكن قال"ولا أدري ما الذي أخرجهم عن ذكر لوط إلى ذكر محمد! وما الذي يمنع أن يقسم الله بحياة لوط، ويبلغ به من التشريف ما شاء ; فكل ما يعطي الله للوط من فضل ويؤتيه من شرف فلمحمد ضعفاه ; لأنه أكرم على الله منه. أولا تراه قد أعطى لإبراهيم الخلة، ولموسى التكليم، وأعطى ذلك لمحمد، فإذا أقسم الله بحياة لوط فحياة محمد أرفع، ولا يخرج من كلام إلى كلام آخر غيره لم يجر له ذكر لغير ضرورة" [2] . وحسن ذلك القرطبي [3] .
ويؤيد أنه حلف بحياة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-: أن هذه الجمل الاعتراضية من عادة القرآن الكريم، وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما خلق الله، وما ذرأ، وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال:"لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون"، يقول: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا [4] .
والمتقرر في عقيدة السلف كراهية الحلف بالعمر فيقال: لعمري أو لعمرك؛ لأنه حلف بغير الله، ومن المتقرر -كذلك- أن الله -عز وجل- يحلف بما شاء من مخلوقاته، والمخلوق لا يحلف إلا
(1) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 3/ 575، لسان العرب 13/ 519.
(2) أحكام القرآن 3/ 105.
(3) تفسير القرطبي 10/ 27.
(4) أخرجه الطبري 7/ 526.