كتب لهم بالعربية لحرَّفه بعضهم، ولذكروا أثناء ترجمته غير ما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيزيد فيه أو يُنقص، ولكن لما كتب لهم بلغتهم يكون إنما كتب لهم بلغة يفهمها عامتهم، ولا يكون للقاريء إلا ذكر ما كتب له ليس إلا، فيأمن من التحريف والزيادة والنقصان.
ووجه الاستدلال من هذا النص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتكلم لزيد رضي الله عنه بما يريده باللغة العربية، وزيد يترجم كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى لغة اليهود ويكتبه بلغتهم، وهذا دليل قوي، بل من أقوى الأدلة على جواز الترجمة.
وقد ذكر الخزاعي [1] هذا عندما ترجم لمن كان يترجم للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( الفصل الثاني: في ذكر من كان يترجم للنبي صلى الله عليه وسلم
1 -ذكر من كان يترجم له باللسان: في"العمدة"للتلمساني: زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه كان يكتب للملوك ويجيب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان ترجمانه بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن )) .
ثانيًا: الاستدلال برسائله وكتبه - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك.
فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة والأسانيد الواضحة المليحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتطبيقًا لعالمية الرسالة قد كاتب ملوك الأرض في السنة السابعة للهجرة، يدعوهم إلى دين الإسلام، وهم آنذاك من أجناس شتى، ويتكلمون لغات مختلفة، خاطبهم باللسان العربي وهو - صلى الله عليه وسلم - يدرك أنه ستتم ترجمة كتبه إلى لغاتهم، ومع ذلك لم يتحرز أو يتحرَّج من أن يكاتبهم باللغة الغربية، وهذا يعد بعد الدليل السابق من أقوى الأدلة وأظهرها على مشروعية الترجمة، بل لو أن مصنفًا من مصنفي الصحاح والسنن ترجم لباب بقوله: باب جواز ترجمة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقله إلى غير العربية، لما أبعد.
أما عن كتبه إلى الملوك فمنها ما رواه البخاري [2] عن عَبْدَ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ: (( أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ أخبره أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إليه في رَكْبٍ من قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بالشام في الْمُدَّةِ التي كان رسول اللَّهِ صلى الله عليه
(1) تخريج الدلالات السمعية له - صلى الله عليه وسلم - من الحرف والصنائع والعمالات: 218، تحقيق: إحسان عباس، الطبعة الأولى 1985 م، دار الغرب الإسلامي - بيروت.
(2) صحيح البخاري: 1/ 7 - 10، ورواه مسلم في صحيحه: 3/ 1294، رقم: 1773.