كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأته كتابهم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وفي هذا النص دلالة واضحة بينة على أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يُملى على زيد ما يريده بالعربية، وزيد يترجم هذا وينقله إلى لغة اليهود، والتي هي العبرانية أو السريانية، وإلا ما من فائدة من قوله: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم.
وقد يقول قائل: لقد عُرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يُكاتب غير العرب باللغة العربية كما سيأتي في رسائله إلى الملوك، فكيف نوفق بين هذا المعلوم عنه، وبين أنه كان يأمر زيدًا أن يكتب لليهود بلغتهم؟
وهذا التساؤل تمت الإجابة عليه من قبل الطحاوي فقال [1] : (( فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا ما كان يرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كتب يهود بالسريانية إنما كان يقرؤه له اليهود الذين كانوا يحضرونه، وهم غير مأمونين على كتمان بعض ما فيه، وغير مأمونين على تحريف ما فيه إلى ما يريدون، وكان ما ينفذ من كتبه إلى اليهود جوابًا لكتبهم له بالعربية، فتحتاج اليهود الواردة عليهم إلى من يحسن العربية ليقرأه عليهم، إذ كانوا لا يحسنون العربية، فلعله أن يحرف ما في كتبه إليهم إلى ما يريد لا سيما إن كان من عبدة الأوثان الذين في قلوبهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا خفاء به، وفي قلوبهم على أهل الكتاب ما فيها، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيدا أن يتعلم له السريانية ليقرأ كتبهم إذا وردت عليه قراءة، فيأمن بها كتمان ما فيها، ويأمن بها تحريف ما فيها، ويكون كتابه - صلى الله عليه وسلم - إذا ورد على اليهود ورد عليهم كتاب يقرؤه عامتهم، يأمن فيه من كتمان بعض ما فيه، ومن تحريف ما فيه إلى غير ما كتب به، فهذا وجه هذا الحديث عندنا ) ).
إذًا فمخالفة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما درج عليه من الكتابة إلى الآخرين باللغة العربية، وكتابته لليهود بلغتهم لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يأمن اليهود على كتابه، فلو
(1) مشكل الآثار: حديث رقم 1720.