(( الضمائر الثلاثة للرسل والظن بمعنى التوهم لا بمعناه الأصلي ولا بمعناه المجازي أعني اليقين، وفاعل (( كذبوا ) )المقدر إما أنفسهم أورجاؤهم فإنه يوصف بالصدق والكذب أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون أو كذبهم رجاؤهم النصر والمعنى أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله تعالى قد تطاولت وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لانصر لهم في الدنيا (جاءهم نصرنا) .
والظن هنا ما يخطر بالبال ويهجس بالقلب من شُبَه الوسوسة وحديث النفس على ماعليه البشرية.
وقد يكون المقصود حديث النفس المعفو، وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح الإيمان كما ثبت في الصحيح أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: يارسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يحرق حتى يصير حممًا أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به قال (:(( أوقد وجدتموه؟ ) )قالوا: نعم. قال: (( ذلك صريح الإيمان ) ))) [1] .
وذكر الآلوسي تفسيرًا كقول ابن الجزري فقال:
(( وقيل: إن الضمائر الثلاثة للمرسل إليهم لأن ذكر الرسل متقاض ذاك، ونظير ذلك قوله:
أمنك البرق أرقبه فهاجا ... وبت إِخاله دهمًا خلاجا [2]
فإن ضمير إخاله للرعد ولم يصرح به بل اكتفى بوميض البرق عنه، وإن شئت قلت: إن ذكرهم قد جرى في قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف
(1) - روح المعاني للآلوسي (13/ 69) مع اختصار وتصرف، جاء الحديث السابق في صحيح مسلم (1/ 191/209) ، وفي سنن أبي داود (4/ 331/5111) . وفي مسند الامام أحمد (2/ 397/8911) وكذلك فيه (2/ 441/9401) ، ولم يأت بهذا اللفظ في المراجع الثلاثة وجاء في صحيح مسلم بلفظ آخر عن أبي هريرة: قال: جاء ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه: إنا نجد في أنفسنا مايتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: (وقد وجدتموه) قالوا: نعم. قال: (ذاك صريح الإيمان) .
(2) - البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين (ص 177) ، وتاج العروس مادة (خلج) ولسان العرب مادة (خلج) (دهم) وتهذيب اللغة (4/ 317) .