واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المراد هو الخيل ، وذلك لأن الضبح لا يكون إلا للفرس ، واستعمال هذا اللفظ في الإبل يكون على سبيل الاستعارة ، كما استعير المشافر والحافر للإنسان ، والشفتان للمهر ، والعدول من الحقيقة إلى المجاز بغير ضرورة لا يجوز ، وأيضًا فالقدح يظهر بالحافر مالا يظهر بخف الإبل ، وكذا قوله: { فالمغيرات صُبْحًا } لأنه بالخيل أسهل منه بغيره ، وقد روينا أنه ورد في بعض السرايا ، وإذا كان كذلك فالأقرب أن السورة مدنية ، لأن الإذن بالقتال كان بالمدينة ، وهو الذي قاله الكلبي: إذا عرفت ذلك فههنا مسائل:
المسألة الأولى: أنه تعالى إنما أقسم بالخيل لأن لها في العدو من الخصال الحميدة ما ليس لسائر الدواب ، فإنها تصلح للطلب والهرب والكر والفر ، فإذا ظننت أن النفع في الطلب عدوت إلى الخصم لتفوز بالغنيمة ، وإذا ظننت أن المصلحة في الهرب قدرت على أشد العدو ، ولا شك أن السلامة إحدى الغنيمتين ، فأقسم تعالى بفرس الغازي لما فيه من منافع الدنيا والدين ، وفيه تنبيه على أن الإنسان يجب عليه أن يمسكه لا للزينة والتفاخر ، بل لهذه المنفعة ، وقد نبه تعالى على هذا المعنى في قوله: { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [ النحل: 8 ] فأدخل لام التعليل على الركوب وما أدخله على الزينة وإنما قال: { صُبْحًا } لأنه أمارة يظهر به التعب وأنه يبذل كل الوسع ولا يقف عند التعب ، فكأنه تعالى يقول: إنه مع ضعفه لا يترك طاعتك ، فليكن العبد في طاعة مولاه أيضًا كذلك .
المسألة الثانية: ذكروا في انتصاب { ضَبْحًا } وجوهًا أحدها: قال الزجاج: والعاديات تضبح ضبحًا وثانيها: أن يكون { والعاديات } في معنى والضابحات ، لأن الضبح يكون مع العدو ، وهو قول الفراء وثالثها: قال البصريون: التقدير: والعاديات ضابحة ، فقوله: { ضَبْحًا } نصب على الحال .