أما قوله تعالى: { إلا خزي في الحياة الدنيا } فأصل الخزي الذل والمقت . يقال: أخزاه الله ، إذا مقته وأبعده ، وقيل: أصله الاستحياء ، فإذا قيل: أخزاه الله كأنه قيل: أوقعه موقعًا يستحيا منه ، وبالجملة فالمراد منه الذم العظيم ، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه . أحدها: قال الحسن: المراد الجزية والصغار ، وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية كانت ثابتة في شريعتهم ، بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد A صح هذا الوجه ، لأن من جملة الخزي الواقع بأهل الذمة أخذ الجزية منهم . وثانيها: إخراج بني النضير من ديارهم ، وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم ، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد A ، وثالثها: وهو الأولى أن المراد منه الذم العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض والتنكير في قوله: «خزي» يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى .
أما قوله: { وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب } ففيه سؤال وهو أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود ، فكيف قال في حق اليهود: { يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب } والجواب: المراد منه أنه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا ، فلفظ «الأشد» وإن كان مطلقًا إلا أن المراد أشد من هذه الجهة .
أما قوله تعالى: { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة ، وجه الأول: البناء على أول الكلام ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، ووجه الثاني: البناء على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على الغيبة إذا اجتمعا .
المسألة الثانية: قوله تعالى: { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة ، لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى مستحقيها .