والوجه الرابع: أن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها ، فإذا علم الله ذلك منه ، صح من الله تعالى أن يصرفه عنه .
والوجه الخامس: نقل عن الحسن أنه قال: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه ، فالمراد من قوله: { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي } هؤلاء . فهذا جملة ما قيل في هذا الباب ، وظهر أن هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسألة خلق الأعمال . والله أعلم .
المسألة الثانية: معنى يتكبرون: أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة أعني التكبر لا تكون إلا لله تعالى ، لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبرًا ، وقال بعضهم: التكبر: إظهار كبر النفس على غيرها . وصفة التكبر صفة ذم في جميع العباد ، وصفة مدح في الله جل جلاله ، لأنه يستحق إظهار ذلك على من سواه لأن ذلك في حقه حق . وفي حق غيره باطل .
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله: { بِغَيْرِ الحق } لأن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق ، فإن للمحق أن يتكبر على المبطل ، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة .
أما قوله تعالى: { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا } ففيه مباحث:
البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي: { الرشد } بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين . وفرق أبو عمرو بينهما فقال: { الرشد } بضم الراء الصلاح لقوله تعالى: { فإن آنستم منهم رشدًا } [ النساء: 6 ] أي صلاحًا ، و { الرشد } بفتحهما الاستقامة في الدين . قال تعالى: { مِمَّا عُلّمْتَ رُشْدًا } [ الكهف: 66 ] وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد ، مثل الحزن والحزن ، والسقم والسقم ، وقيل: { الرشد } بالضم الاسم ، وبالفتحتين المصدر .
البحث الثاني: { سَبِيلَ الرشد } عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و { سَبِيلَ الغى } ما يكون مضادًا لذلك ، ثم بيّن تعالى أن هذا الصرف إنما كان لأمرين: أحدهما: كونهم مكذبين بآيات الله . والثاني: كونهم غافلين عنها ، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها والله أعلم .