وأما القيد الثاني: وهو قولنا: «في زمان معين» ففيه سؤالات أحدها: أنا إذا قلنا: «وجد الزمان» أو قلنا: «فني الزمان» فهذا يقتضي حصول الزمان في زمان آخر ، ولزم التسلسل ، فإن قالوا: يكفي في صحة هذا الحد كون الزمان واقعًا في زمان آخر بحسب الوهم الكاذب ، قلنا: الناس أجمعوا على أن قولنا حدث الزمان وحصل بعد أن كان معدومًا كلام حق ليس فيه باطل ولا كذب ، ولو كان الأمر كما قلتم لزم كونه باطلًا وكذبًا ، وثانيها: أنا إذا قلنا: كان العالم معدومًا في الأزل ، فقولنا: كان فعل فلو أشعر ذلك بحصول الزمان لزم حصول الزمان في الأزل ، وهو محال ، فإن قالوا: ذلك الزمان مقدر لا محقق ، قلنا التقدير الذهني إن طابق الخارج عاد السؤال ، وإن لم يطابق كان كذبًا ، ولزم فساد الحد ، وثالثها: أنا إذا قلنا: كان الله موجودًا في الأزل ، فهذا يقتضي كون الله زمانيًا ، وهو محال ، ورابعها: أنه ينتقض بالأفعال الناقصة ، فإن كان الناقصة إما أن تدل على وقوع حدث في زمان أو لا تدل: فإن دلت كان تامًا لا ناقصًا ، لأنه متى دل اللفظ على حصول حدث في زمان معين كان هذا كلامًا تامًا لا ناقصًا ، وإن لم يدل وجب أن لا يكون فعلًا ، وخامسها: أنه يبطل بأسماء الأفعال ، فإنها تدل على ألفاظ دالة على الزمان المعين ، والدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء فهذه الأسماء دالة على الزمان المعين ، وسادسها: أن اسم الفاعل يتناول إما الحال وإما الاستقبال ولا يتناول الماضي ألبتة ، فهو دال على الزمان المعين ، والجواب أما السؤالات الأربعة المذكورة على قولنا: «الفعل يدل على ثبوت المصدر لشيء» والثلاثة المذكورة على قولنا «الفعل يدل على الزمان» فجوابها أن اللغوي يكفي في علمه تصور المفهوم ، سواء كان حقًا أو باطلًا ، وأما قوله: «يشكل هذا الحد بالأفعال الناقصة» قلنا: الذي أقول به وأذهب إليه أن لفظة كان تامة مطلقًا ، إلا أن الاسم الذي يسند إليه لفظ كان قد يكون ماهية مفردة مستقلة بنفسها مثل قولنا: كان الشيء ، بمعنى حدث وحصل ، وقد تكون تلك الماهية عبارة عن موصوفية شيء لشيء آخر مثل قولنا: كان زيد منطلقًا ، فإن معناه حدوث موصوفية زيد بالانطلاق فلفظ كان ههنا معناه أيضًا الحدوث والوقوع ، إلا أن هذه الماهية لما كانت من باب النسب ، والنسبة يمتنع ذكرها إلا بعد ذكر المنتسبين ، لا جرم وجب ذكرهما ههنا ، فكما أن قولنا: كان زيد ، معناه أنه حصل ووجد ، فكذا قولنا: كان زيد منطلقًا ، معناه أنه حصلت موصوفية زيد بالانطلاق؛ وهذا بحث عميق عجيب دقيق غفل الأولون عنه ، وقوله: «خامسًا: يبطل ما ذكرتم بأسماء الأفعال» قلنا المعتبر في كون اللفظ فعلًا دلالته على الزمان ابتداء لا بواسطة ، وقوله: «سادسًا: اسم الفاعل مختص بالحال والاستقبال» قلنا: لا نسلم ، بدليل أنهم قالوا: إذا كان بمعنى الماضي لم يعمل عمل الفعل ، وإذا كان بمعنى الحال فإنه يعمل عمل الفعل .