فهرس الكتاب

الصفحة 2149 من 8321

الثالث: أن من الأحاديث المشهورة قوله E: « إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا فردوه » فهذا الخبر يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد إلا عند موافقة الكتاب ، فاذا كان خبر العمة والخالة مخالفا لظاهر الكتاب وجب رده . الرابع: أن قوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } مع قوله عليه السلام: لا تنكح المرأة على عمتها لا يخلو الحال فيهما من ثلاثة أوجه: إما أن يقال: الآية نزلت بعد الخبر ، فحينئذ تكون الآية ناسخة للخبر لأنه ثبت أن العام إذا ورد بعد الخاص كان العام ناسخا للخاص ، وإما أن يقال: الخبر ورد بعد الكتاب ، فهذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز ، وإما أن يقال: وردا معا ، وهذا أيضا باطل لأن على هذا التقدير تكون الآية وحدها مشتبهة ، ويكون موضع الحجة مجموع الآية مع الخبر ، ولا يجوز للرسول المعصوم أن يسعى في تشهير الشبهة ولا يسعى في تشهير الحجة ، فكان يجب على الرسول A أن لا يسمع أحدا هذه الآية إلا مع هذا الخبر ، وأن يوجب إيجابا ظاهرا على جميع الأمة أن لا يبلغوا هذه الآية أحد إلا مع هذا الخبر ، ولو كان كذلك لزم أن يكون اشتهار هذا الخبر مساويا لاشتهار هذه الآية ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم .

الوجه الخامس: أن بتقدير أن تثبت صحة هذا الخبر قطعا ، إلا أن التمسك بالآية راجح على التمسك بالخبر . وبيانه من وجهين: الأول: أن قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } نص صريح في التحليل كما أن قوله: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } نص صريح في التحريم . وأما قوله: « لا تنكح المرأة على عمتها » فليس نصا صريحا لأن ظاهره إخبار ، وحمل الاخبار على النهي مجاز ، ثم بهذا التقدير فدلالة لفظ النهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ الاحلال على معنى الاباحة . الثاني: أن قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } صريح في تحليل كل ما سوى المذكورات ، وقوله: « لا تَنْكِحَ المرأة على عمتها » ليس صريحا في العموم ، بل احتماله للمعهود السابق أظهر .

الوجه السادس: أنه تعالى استقصى في هذه الآية شرح أصناف المحرمات فعد منها خمسة عشر صنفا ، ثم بعد هذا التفصيل التام والاستقصاء الشديد قال: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } فلو لم يثبت الحل في كل من سوى هذه الأصناف المذكورة لصار هذا الاستقصاء عبثا لغوا ، وذلك لا يليق بكلام أحكم الحاكمين ، فهذا تقرير وجوه السؤال في هذا الباب .

والجواب على وجوه: الأول: ما ذكره الحسن وأبو بكر الأصم ، وهو أن قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لا يقتضى إثبات الحل على سبيل التأبيد ، وهذا الوجه عندي هو الأصح في هذا الباب ، والدليل عليه أن قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } إخبار عن إحلال كل ما سوى المذكورات وليس فيه بيان أن إحلال كل ما سوى المذكورات وقع على التأبيد أم لا ، والدليل على أنه لا يفيد التأبيد: أنه يصح تقسيم هذا المفهوم إلى المؤبد وإلى غير المؤبد ، فيقال تارة: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } أبدًا ، وأخرى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } إلى الوقت الفلاني ، ولو كان قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } صريحا في التأييد لما كان هذا التقسيم ممكنا ، ولأن قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لا يفيد إلا إحلال من سوى المذكورات وصريح العقل يشهد بأن الاحلال أعم من الاحلال المؤبد ومن الاحلال المؤقت ، إذا ثبت هذا فنقول: قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لا يفيد إلا حل من عدا المذكورات في ذلك الوقت ، فأما ثبوت حلهم في سائر الأوقات فاللفظ ساكت عنه بالنفي والاثبات ، وقد كان حل من سوى المذكورات ثابتا في ذلك الوقت ، وطريان حرمة بعضهم بعد ذلك لا يكون تخصيصا لذلك النص ولا نسخا له ، فهذا وجه حسن معقول مقرر . وبهذا الطريق نقول أيضا: إن قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت