بالمخلوقات ولا معنى للسكوت إلا انعدام الكلام، فإن كان قبل وجود الكلام لزم سبق العدم عليه، وسبق العدم عليه نفي لقدمه وإثبات لحدوثه، وإن كان بعد وجود الكلام فقد طرأ عليه العدم، وطروء العدم عليه ينفي بقاءه، وإذا انتفى البقاء انتفى القدم، لأن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه، فالسكوت يستلزم عدم الكلام السابق وتجدد الكلام اللاحق، فيكون اللاحق حادثا بغير واسطة، والسابق حادثا بواسطة ان ما لحقه العدم لزم أن يسبقه العدم، وإذا لزم من السكوت حدوث الكلام لزم منه حدوث الذات الموصوف به، لأن قيام الحادث بشيء يوجب حدوث ذلك الشيء، ودعوى الاتصاف بذلك لمن تنزه عن الحدوث في ذاته وجميع صفاته سبحانه وتعالى، كفر لا محالة.
وليس معنى كلم الله موسى، عند الأشاعرة والماتريدية، أنه ابتدأ الكلام له بعد سكوته ولا أنه بعد كلامه سكت، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما معناه أنه سبحانه وتعالى تفضل على موسى عليه الصلاة والسلام بإزالة مانع موسى وتقويته حتى سمع كلامه تعالى القديم المنزه عن جميع صفات كلام الحادثين ثم منعه ورده إلى ما كان عليه قبل، وهذا معنى كلامه تعالى لأهل الجنة، وهذا الذي نقل عن السلف ودرج عليه الخلف ودلت عليه السنة والقرآن الكريم.
فالتنظير في قوله: كما أنه سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، فاسد لبنائه على هذه الشنعاء، يعني أنه تعالى مثل المخلوقين في كونه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، كما أنه مثلهم في ترتب الأفعال الصادرة عنه، فقد خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم بعد فراغه من خلقهما جلس على العرش - نعوذ بالله من زلقات اللسان وفساد الجنان -.
وقوله: (وما قائما بنفسه هو كلامه لا كلام غيره) ، يحتمل المذهبين؛ مذهب الأشاعرة القائلين: كلام الله صفة قديمة قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت، ومذهب الحنابلة القائلين: كلام الله تعالى القديم هو المنتظم من الحروف المسموعة الموجود بين دفتي المصحف وفي جميع الكتب السماوية المنزلة على أنبيائه وهذا هو مراده.
وقوله: (والمخلوق لا يكون قائما بالخالق ولا يكون الرب محلا للمخلوقات) ،