واثنتين لم يتغير ذهنه وفهمه، يفتي مع الفقهاء ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد ويحضر المواكب إلى أن مات، وتلميذ هذا الشيخ الإمام أبو إسحق الشيرازي وتلامذته فقد غيروا كثيرا من مجرى عقائد عوام بغداد بما نشروه من المعارف، فلم يرق هذا في أعين هذه الطائفة، ورأوا مذهب الشافعي في بغداد أعظم منكر تجب عليهم إزالته منها، فوجهوا حملتهم في هذه المغامرة الثالثة إليه وكانت قاصرة عليه، وكان عميدهم فيها القاضي أبو يعلى بن الفراء لمكانته عند الخليفة، فإنه كان قاضي الحريم ببغداد بدار الخلافة ففضحوا أنفسهم وكشفوا جهلهم للعقلاء، فإن هذه المسائل التي اعتقدوا أنها في مذهب الشافعي منكر عظيم تجب إزالته، لا تهدم الدين بل هي منه، فإن أنظار المجتهدين تتجاذبها بين الاستحباب عند واحد مثلا والجواز عند آخر، وخلاف الأولى عند آخر من الأحاديث الواردة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم، فكون إمامهم يرى استحباب الاسرار بالبسملة لا يكون رأيه هذا حجة على الشافعي الذي يرى استحباب الجهر بها، وأي منكر في مستحب.
من المضحك المبكي قيام هذه الطائفة
على أئمة المساجد الشافعية ببغداد
ومن المضحك المبكي إلزام ذلك الإمام الذي نهوه عن الجهر بالبسملة لهم بإزالتها من المصحف حتى لا يتلوها، وهو إلزام مسكت لأنها بعض آية في سورة النمل بالإجماع، وآية من الفاتحة عند الإمام الشافعي جزما، وآية عند أيضا من أول كل سورة على أحد القولين له، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم اتفقوا على كتابتها في المصحف في أول السور وما كتبوها إلا بتوقيف من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فالمزيل لها منه مزر بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبإجماع المسلمين، وفي مقدمتهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا شك أن هذا كفر. انظروا كيف يحرق الأحمق نفسه، ان البلاء موكل بالمنطق.
وشبيه بهذا الإلزام؛ إلزام يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج لسليمان بن عبد