وقيل: إن الله تعالى لم يُعَيِّنْه لهم، وإنما أمرهم بتعظيم يوم الجمعة فاختلف اجتهادهم في تعيينه، فعينت اليهود السبت، لأن الله تعالى فرغ فيه من الخلق، والنصارى الأحد، لأن الله تعالى بدأ فيه الخلق، وعَيَّنَهُ الله تعالى لهذه الأمة ولم يَكِلْهُمْ إلى اجتهادهم يؤيده: أنه لو عيَّن لهم فعاندوا فيه لما قيل: اختلفوا فيه، وإنما كان يقال: فخالفوا أو عاندوا وقال في حديث حذيفة: «أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا» ولسبقه على السبت والأحد بمعنى وذلك، لأن ترتيب الأيام الثلاثة الوضعية إذا سردت متتابعة لا تصح إلا بأن يتقدمها الجمعة وليس ذلك لغيرها.
وقوله: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ» يعني أن هذين الوضعين لنا مَلَكة، وأنهما ثابتان متى ذكر أحدهما عُرِفَ الآخر.
وأما قوله: في رواية أخرى «نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ» فكأنه لما أثبت لهم التأخر عطف وجاء بلفظه: (نَحْنُ) لِيُبَيِّنَ أن السبق لهم دون غيرهم، كأن قائلًا قال: لما قال: نحن الآخرون فما لكم بذلك إذا ثبت لكم التأخر وتركتم التقدم فقالوا: ونحن السابقون، وأيضًا لما في إعادة ضمير المتكلم الذي يضاف الخبر إليه من الفائدة يقرع السمع به في كل خصلة.
وفي الحديث سقوط القياس مع وجود النص، وذلك أن الفريقين قالا بالقياس مع وجود النص فَضَلَّا.
وفيه القول بالتفويض وترك الاختيار، لأنهم اختاروا فَضَلُّوا ونحن نحمد الله تعالى عَلَّقْنَا الاختيار إلى ربنا جل وعز فهدانا.