فكان أبو الدرداء يصوم أول يوم، واليوم العاشر، ويوم عشرين، قال ابن حبيب: وأخبرني حبيب أن هذا كان صوم مالك، انتهى.
قال أبو الوليد الباجي: عندي في هذا نظر؛ لأن رواية حبيب عن مالك فيها ضعف، ولو صحَّت لكان المعنى: أن هذا كان مقدار صوم مالك، فأما أن يتحرَّى صيامَ هذه الأيام فإنَّ المشهور عن مالك منع ذلك.
وقال سُحنون: يصوم أوله، كأنه اعتمد ما رويناه في كتاب «الصيام» للقاضي يوسف بن إسماعيل - بسند جيد - عن ابن مسعود: «أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يصوم من عشرة كل شهر ثلاثة أيام» .
وقال الشيخ أبو إسحاق: أفضل صيام التطوع أول يوم من الشهر في العشر الأول، ويوم أحد عشر في العشر الثاني، ويوم أحد وعشرين في العشر الثالث.
وقال المتولي وغيرُه: صوم داود صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفضل من السرد.
قال النووي: وفي كلام غيره إشارة إلى تفضيل السرد، وتخصيص هذا الحديث بابن عمرو ومن في معناه، تقديره: لا أفضل من هذا في حقك، يؤيِّدُ هذا أنه لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد، ولو كان ما قاله لابن عمرو أفضل في حق كل الناس لأرشد حمزةَ إليه وبيَّنه له.
وأما صوم الدهر فقد اختلف العلماء فيه:
فذهب أهل الظاهر إلى منعه أخذًا بظاهر أحاديث النهي عن ذلك.
وذهب جماهير العلماء إلى جوازه إذا لم يصم الأيام المنهي عنها كالعيدين والتشريق، وهو مذهب الشافعي بغير كراهة؛ بل هو مستحب.
وورينا في «سنن الكَجِّي» : حدثنا أبو عمر الحَوْضِي، حدثنا الضحاك بن يسار، عن أبي تميمة الُهجيمي، عن أبي موسى، قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا، وضم أصابعه على تسعين» .
وعند ابن ماجه عن ابن عمرو قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «صام نوح صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الدهر إلا يومين: الأضحى والفطر» ، وفي سنده ابن لهيعة.
قال ابن التين: استدلَّ من منع صومَ الدهر من خمسة أوجه: