وروينا عن الشيخ أبي محمد بن أبي حمزة رحمه الله تعالى أنه قال: أما فتنة الأهل فعلى وجوهٍ، هل يؤدي حقَّهم الواجبَ عليه؟ أم لأنه راع ومسؤول عن رعايته؟ فإن لم يأتِ بالواجب فليس هذا مما يكفيه فعلُ الطاعات؛ لأنه لا يكفِّرها إلا إذا ما وجب عليه كالدين، فإن كان الذي ترك من حقوقهم مندوبًا فليس بآثم فيحتاج إلى تكفير، ويبقى وجه آخر وهو تعلق القلب بهم إن كان مفرطًا بحيث يشغله عن حقٍّ من الحقوق فليس داخلًا تحت ما يكفَّر بالطاعات، بل يدخل تحت وعيد قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} الآية [التوبة: 24] ، وإن كان لم يشغله عن تَوْفِيَةِ حقٍّ من حقوق الله تعالى فهذا والله أعلم هو الذي تكفِّره الطاعات، وهل هذا خاص بالرجال دون النساء؟ أو من باب ذِكْر الأعلى؟ وإلا فقد قال صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «هُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» يعني في لزوم الأحكام.
وقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: فتنة الرجل في أهله أن يأتي من أجلهم ما لا يَحِلُّ له من القول والعمل ما لم يبلغ كبيرة.
وقَالَ الْمُهَلَّبُ: يريد ما يُعْرَضُ له معهن من شَرٍّ أو حزن وشبهه.
وقال ابن العربيُّ: الفتنة التي تدخل على الرجال من هذه الجهات إن كانت صغيرة كُفِّرَتْ، وإن كانت كبيرة فلا تقوم الحسنات بها قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] .
قال الشيخ أبو محمد: وفتنة الولد فرطُ محبتهم وشُغْلُه بهم عن كثير من الخير أو التفريط بما يلزمه من القيام بحقوقهم، فهذه الفتنة تقتضي المحاسبة، وكذا فتنة المال، وأما الجَارُ فهو أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعًا قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} [الفرقان: 20] .
وقوله: (تَمُوْجُ كَمَوْجِ البَحْرِ) أي: تضطرب ويدفع بعضها بعضًا لِعِظَمِهَا.