الصفحة 2065 من 2429

وأيضًا فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لما فتح مكة شرفها الله تعالى منَّ على أهلها كلهم، ومعلوم أنه كان فيهم من في قلبه شيء، ثم أخبر أن مكة حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لا يَحِلُّ قتال أحد منها، فإذا كان كذلك لا يجوز الغدر ببر ولا فاجر، وتبويب البخاري (بَابُ: إِثْمِ الغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالفَاجِرِ) لعموم قوله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «لكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ» يدخل فيه من غدر من بَرٍّ وفاجرٍ، ودلَّ أن الغدر حرام.

وقال القرطبي: هذا خطاب منه صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ للعرب بنحو ما كانت تفعل، وذلك أنهم يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء؛ ليعظموا الأول، ويذموا الثاني.

قال: وقد شاهدنا هذا عادة مستمرة إلى اليوم. انتهى.

قال الشاعر:

~ أسُمَيَّ ويحك هل سمعتِ بغدرةٍ نُصِبَ اللِّوا كنا بها في مجمع؟!

قال القرطبي: فمقتضى هذا الحديث أن الغادر يُفْعَلُ به ذلك، لِيُشْهَرَ بالخيانة والغدر فيذمه أهل الموقف، ولا يبعد أن يكون الوفي بالعهد يرفع له لواء يُعْرَفُ به وفاؤه وبره فيمدحه أهل الموقف.

وقال النووي: اللواء لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب ويكون الناس تبعًا له.

قالوا: فمعنى: (لكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ) أي: علامة يشتهر بها في الناس؛ لأن موضع اللواء شهرة مكان الرئيس، قال: والغادر هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به، يقال: غَدَرَ يَغْدِر، بكسر الدال في المضارع. انتهى. يخدش في هذا ما ذكره الأصبهاني، أن عمر سئل: من أشعر العرب؟ فقال: زهير. فقيل له: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قال: «امْرُؤُ الْقَيْسِ صَاحِبُ لِوَاءِ الشُّعَرَاءِ» فقال عمر: اللواء لا يكون مع الأمير.

وفي الحديث بيان تغليظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرورةً إلى خلق كثير، وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء، كما في الحديث في تعظيم كذب الملوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت