وسفيان الذي روى عنه محمد بن كثير هو الثوري، ذكره أبو نعيم وغيره، قال أبو نعيم: وهذا لفظ الثوري، وجمع البخاري بين ابن عون وأبي فروة ظنًا أن الروايتين في إسناد واحد، وساق الحديث بلفظ الثوري. وفي كتاب الإسماعيلي لما قال: «إلا وإن في الجسد مضغة» قال: قال فلان يعني أحد رواته: لا أدري هذا من لفظ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أم لا؟ وروى ابن حذلم في «جزئه» من جهة عبد الله بن رجاء عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر يرفعه: «الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ، وبين ذلك مشتبهات، فدَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» .وعند الجوزي من حديث العلاء بن ثعلبة الأسدي، عن أبي مليح، عن واثلة قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «استفتِ لنفسِك نفسَك، قلت: كيف لي بذلك؟ قال: تدع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك، وإن أفتاك المفتون، قلت: وكيف لي بذلك؟ قال: تضع يدك على قلبك، فإن الفؤاد يسكن للحلال ولا يسكن للحرام، وإن الوَرِعَ المسلمَ يضع الصغيرةَ مخافة أن يقع في الكبيرة» .قالابن التين: التوقُّف عند الشبهات واجب حتى يستبين. وقال القرطبي: أقل مراتب الحرام أن يستويَ فعلُه وتركه فيكون مباحًا، وما كان كذلك لم يتصوَّر فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين، فإنه إن ترجَّح أحد طرفيه على الآخر خرج عن كونه مباحًا، فحينئذ يكون تركه راجحًا على فعله وهو المكروه، أو فعله راجحًا على تركه وهو المندوب. وفيه دليل على أن الشبهة لها حكم خاص بها. قال أبو سليمان: قوله: «لا يَعلَمُها كثيرٌ من النَّاس» معناه أنها تشتبه على بعض الناس دونَ بعضٍ، والعلماء يعرفونها؛ لأن الله تعالى جعل عليها دلائل عرفها بها، لكن ليس كلُّ أحد يقدر على تحقيق ذلك، ولهذا قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لا يعلمها كثير من الناس» ولم يقل: لا يعلمها كل الناس، والله أعلم.