والتزم رحمه الله الأمانة العلمية والدقة في عزو الأقوال، حتى إنه إذا شك في نسبة القول إلى المذهب أو أحد العلماء لا يجزم بذلك، ويصوغه بصيغة تدل على التردد:
كقوله في المجنون إذا أفاق هل يجب عليه الغسل أم لا؟:"المذهب أنّه لا يجب خلافا لابن حبيب، وكأنّه مذهب الشافعي، أعني وجوب الغسل"ص 192.
وقال في الحامل ترى الدم:"فقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك والشافعي في أحد قوليه وأظنه الصحيح منهما: هو حيض"ص 295.
وقال:"الذي يصلي التراويح أو يقوم الليل أو يعرض القرآن فإن شاء فصل بين السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي ظني في قراءة سورة الوتر خلافا هل يفصل بينهما بـ"بسملة"أو لا؟ وأظنه في النوادر والله أعلم"ص 757.
وتجدر الإشارة إلى أن المصنف رحمه الله يذكر بعض الأقوال منسوبة لأصحابها لا أكاد أجدها إلا في كتب نادرة من كتب الخلاف التي عنيت بذكر أقوال أصحاب المذاهب المختلفة.
ثامنا: يذكر أقوال أهل المذهب وغيرهم في المسألة ثم يعقبها إن ظهر له شيء بقوله في أول كلامه"قلت"وفي آخره يقول أحيانا"والله أعلم"وقد نص على هذا المنهج بقوله"وإن ظهر لي شيء قلت فيه: قلت"ويكون ما يقوله إما استحسانا منه وتقريرا للقول الذي نقله أو استدراكا أو تضعيفا له، فلم يكن الفاكهاني مجرد ناقل بل يمحص الأقوال ويختار ما يراه صوابا ويضعف ما عداه.
تاسعا: قد يذكر رحمه الله المسألة في غير بابها كمسألة:"اختلف فيمن ضُرب بسيف فأمنى، وفي من نزل حوض الحمام فالتذّ فأمنى، أو احتكّ فأمنى، أو أمذى، فقيل عليه الطهارة في جميع ذلك ..."ص 187 فإنه أوردها في نواقض الوضوء، وعادة أهل المذهب يذكرونها في موجبات الغسل، ولعل مناسبة تقديمها لجمعها مع نظائرها، والله أعلم.
وقد يذكر المسألة مجملة في بداية الباب، ثم يفصل القول فيها في محل آخر، ككلامه على فرائض الوضوء وسننه وفضائله فإنه ذكرها مجملة في بداية باب ما يجب منه الوضوء والغسل ص 167، ثم عقد لها فصلا وتكلم عنها بالتفصيل عند قول الرسالة:"ومن سنة الوضوء غسل اليدين قبل دخولهما في الإناء والمضمضة والاستنشاق ..."ص 513.
عاشرا: سلك في شرحه منهج تبيين الدلائل عند تقرير المسائل والتأصيل لها وربط المسائل بأدلتها، فهذا الشرح محلى بالأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف، وحكاية الإجماع والتعليلات والأقيسة، وهذه الأدلة قد تكثر وقد تقل حسب الحاجة، فأحيانا يكثر من سرد الأدلة في المسألة الواحدة، وأحيانا يكتفي بذكر دليلين أو دليل واحد.