ولم يكن الفاكهاني يتعصّب للمذهب وكان يدعو إلى الاتباع وذمّ المحدثات والبدع.
قال رحمه الله في خاتمة شرحه لمقدمة الرسالة:"وكل ما كان في كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، أو عليه عمل أصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان فهو دين الله تعالى الذي يدان به، وما خالفه فهو بدعة وضلالة مردود على صاحبه غير مقبول؛ إذ لو كان في غير ذلك خير - أعني الكتاب والسنة - لنبّهنا عليه - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ كان حريصًا كلّ الحرص على نصح الأمة وإرادة الخير لنا، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيا عن أمّته، وجعلنا من أمته المتبعين لسنته الكائنين في زمرته بفضله ومنه" [1] .
وقال في رسالته المشهورة المورد في الكلام على عمل المولد:"الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين، ويسر لنا اقتفاء آثار السلف الصالحين حتى امتلأت قلوبنا بأنوار علم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهر سرائرنا من حدث الحوادث والابتداع في الدين، أحمده على ما من به من أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين" [2] إلى أن قال:"لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون" [3] .
المبحث السادس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
شهد جماعة من أئمة عصر الفاكهاني وعلماء زمانه ومن جاء بعده على إمامته وتفننه في علوم كثيرة ووصفوه بالشيخ الإمام العالم العامل المحدث الفقيه الأصولي النحوي الأديب اللغوي المتقن البارع المتمكن صاحب المصنفات الورع التقي الزاهد ذو الفضل والديانة والصيانة والصلاح وحسن الأخلاق، وهذه أقوال العلماء من تلامذته وأقرانه ومعاصريه وغيرهم في الثناء عليه رحمة الله على الجميع:
قال ابن الجزري (ت 738 هـ) :"الشيخ الإمام العالم الزاهد، تاج الدين أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي، الأسيدي المعروف بابن الفاكهاني، وكان شيخًا، فقيهًا، مالكيًا، نحويًا، عنده فضائل وديانة، وله مصنفات" [4] .
(1) التحرير والتحبير (ل 68/ أ من نسخة أ) .
(2) الحاوي للفتاوي للسيوطي 1/ 183.
(3) المصدر السابق.
(4) تاريخ حوادث الزمان 3/ 704.