نعم الجدال صار بعد ذلك علمًا له قواعد وله أسس وله ضوابط تضبط مسائل النقاش والاستدلال ولكن الجدال بهذا المفهوم الذي يقصد به الغلبة بغير وجه الحق ذمه الله- تعالى- كما ذمه النبي -صلى الله عليه وسلم- قال الله- تعالى-: ?وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ?3 [الحج: 3] وقال: ?وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ?8 [الحج: 8] وفي الترمذي وهو حديث صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا قول الله- تعالى-: ?مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ? [الزخرف: 58] ) ونرى تطبيقيًا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- (خرج يومًا على رجلين يختلفان في آية ويتنازعان في آية فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وعرف في وجهه الغضب فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب) .
وعند ابن ماجة وهو حديث صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تعلَّموا العلم) أي (لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار) أي من طلب العلم كي يماري غيره ويجادل غيره ويدفع غيره ليبطله ويقطعه فهذا يبشر بالنار- والعياذ بالله- وعند ابن عبد البر في كتابه القيم جامع بيان العلم وفضله أن عمر بن عبد العزيز قال: «من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل وحظه من العلم قليل وهو مجادل عنيف» مجادل عنيد أكثر التنقل تارة يكون هنا ثم بعد ذلك هناك وهناك وهنا أكثر التنقل- والعياذ بالله-.
وفي كتاب جامع العلم وفضله عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- « المراء يقسي القلب ويورث الضغن» الضغن: الغل والكره والحقد- والعياذ بالله-.