الصفحة 8 من 27

وعلى ذلك فإن""التاريخية هنا تعني الحدوث في الزمن، حتى لو كان هذا الزمن هو لحظة افتتاح الزمن وابتدائه، إنها لحظة الفصل والتمييز بين الوجود المطلق المتعالي"الوجود الإلهي"والوجود المشروط الزماني، وإذا كان الفعل الإلهي الأول - فعل إيجاد العالم - هو فعل افتتاح الزمان، فإن كل الأفعال التي تلت هذا الفعل الأول الافتتاحي تظل أفعالًا تاريخية بحكم أنها تحققت في الزمن والتاريخ، وكل ما هو ناتج عن هذه الأفعال الإلهية محدَث بمعنى أنه حدث في لحظة من لحظات التاريخ، هكذا يتم التمييز بين القدرة الإلهية والفعل الإلهي"" [1] .

وهكذا يتم التأسيس للتاريخية بإغفال وطمس الرؤية الأشعرية التي تنقض هذا التصور الاعتزالي، لأنه ما دام يقبل بأن تكون القدرة قديمة وهي صفة ذاتية، ومتعلقاتها أو تجلياتها بالنسبة لنا نحن البشر محدثة، فلماذا لا يقبل أيضًا أن يكون الكلام صفة نفسية قديمة، والدال عليها المتمثل في الألفاظ والخطاب والمصحف وغير ذلك هو المحدث، وهو ما يقول به الأشاعرة.

ثم لماذا يُغض النظر عن إشكالية التسلسل التي تواجه المعتزلة يقول القاضي الباقلاني:""والذي يدل على نفي خلق القرآن من القرآن قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [2] فلو كان القرآن مخلوقًا لكان مخلوقًا بقول آخر، وذلك يوجب أن لا يوجد من الله تعالى فعلٌ أصلًا، إذ كان لا بد أن يوجد قبله أفعال وهي أقاويل لا غاية لها وذلك محال باتفاق منا ومنهم"" [3] . وبذلك يظل البعد الإلهي الغيبي هو الذي يحفظ للقرآن الكريم قدسيته وتعاليه.

ولكن الخطاب العلماني يتجاهل هذه المعارضة الأشعرية، ويظل مستمرًا في وصف الأفكار المناوئة له بالأسطورية والوثنية بغية التشويش الفكراني، والتشويه الدعائي، لأنه يريد أن يؤسس لعلاقة جدلية قابعة في أعماقه تأبى إلا أن تُفصح عن نفسها، وتَفضح ذاتها عندما تكشف عن وجهها الحقيقي، فإذا هي ماركسية كاملة شاملة - سنراها فيما بعد - ومن هنا فإنه يعتبر أن الرأي الذي يتصور وجودًا خطيًا سابقًا للقرآن في اللوح المحفوظ يؤدي إلى إهدار لجدلية العلاقة بين النص والواقع الثقافي [4] ""والنظر إلى اللغة من منظور القِدم والتوقيف الإلهي يمكن أن يؤدي إلى عزل النص عزلًا كاملًا عن سياق الثقافة التي ينتمي إليها، وهو

(1) السابق نفسه.

(2) سورة النحل آية:40.

(3) انظر: الباقلاني"تمهيد الأوائل وتحقيق الدلائل"ص 268 - تحقيق عماد الدين أحمد حيدر - مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت - ط 1/ 1987 م.

(4) انظر: نصر حامد"مفهوم النص"ص 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت