الموقف الأشعري. لقد حاول المعتزلة جاهدين ربط النص بالفهم الإنساني، وتقريب الوحي من قدرة الإنسان على الشرح والتحليل"" [1] .
أما التصور الأشعري فهو تصور يجافي العقل والنص نفسه [2] ، وهو السبب في"الشيزوفرينيا"في فكر الإنسان المسلم، كناتج للتضارب بين الناسخ والمنسوخ الذي سببته فكرة الأزلية [3] .
هذا بالإضافة إلى كونه تصورًا يؤدي - بنظر الخطاب العلماني - إلى أن تصبح النصوص""مستغلقة على فهم الإنسان العادي مقصد الوحي وغايته، وتصبح شفرة إلهية لا تحلها إلا قوة إلهية خاصة، وهكذا يبدو وكأن الله يكلم نفسه، ويناجي ذاته، وتنتفي عن النصوص الدينية صفات الرسالة والبلاغ والهداية والنور"" [4] .
ولكن المتأمل في النصوص السابقة يجد مجازفات خطيرة وعجيبة عارية عن البرهنة أو الاستدلال، لأن الاعتقاد بقدم القرآن لم يؤد إلى عزل النص عن الواقع، ولم يحوِّل النصوص إلى شفرة إلهية عصية على الفهم، بل ظلت المذاهب الإسلامية تتجاذب النص وتستند إليه كمرجعية تشريعية أو استدلالية أو برهانية، وتنهل منه في كل العصور والأزمنة والأمكنة حلولًا لأزماتها، وتقويمًا لمشكلاتها، وحكمًا في خلافاتها، ولم ينفصل القرآن الكريم عن المجتمعات الإسلامية حتى في العصر الحاضر، رغم المنافسة العلمانية المدعومة بقوى مادية متفوقة لإزاحة هذا القرآن عن الواقع، وتحييده عن الحياة، ولم يؤد هذا إلا إلى مزيد من القناعة بحاكمية القرآن للواقع وضرورة قيادته وهيمنته على الحياة.
ولكن مراد الخطاب العلماني من إحياء المذهب الاعتزالي في هذه القضية التمهيد لإقرار مبدأ التاريخية الذي يمثل جوهر الفكر عنده، وتحرير التأويل من سلطة المنهج السلفي، ذلك المنهج الذي يصر - حسب رأيه - على التمسك بالأصل الميتافيزيقي للنص، ومن ثم امتناع تأويله إلا للراسخين في العلم من الناس، وهو في منظور هذا الخطاب""وهمٌ يبثه أصحاب المنهج السلفي حتى يحافظوا على مناصبهم وسلطاتهم، وتكريسًا لمصالحهم، وتقديسًا لأنفسهم"" [5] .
(1) نصر حامد"مفهوم النص"ص 167.
(2) انظر: سيد القمني"رب الزمان"ص 236.
(3) انظر: السابق ص 237.
(4) نصر حامد"نقد الخطاب الديني"ص 206.
(5) سيد القمني"رب الزمان"ص 225.