الصفحة 10 من 27

لكننا في المقابل يمكن أيضا أن نقول هنا بأن تكريس المفهوم الاعتزالي يريد منه الخطاب العلماني منافسة الخطاب الديني على المناصب والمصالح والتقديس، والتأسيس للاهوت علماني نقيض للاهوت الديني يتربع على عرشه شيوخ جدد يمثلون الحداثة.

ومع ذلك فليس المراد هو الوقوف عند الحدود التي وصل إليها المعتزلة لأن""الموقف الاعتزالي رغم أهميته التاريخية يظل موقفًا تراثيًا لا يؤسس وحده وعينا العلمي بطبيعة النصوص الدينية، والموقف الاعتزالي شاهد تاريخي دال على بواكير وإرهاصات ذات مغزى تقدمي علمي، والمغزى - لا الشاهد التاريخي - هو الذي يهمنا لتأسيس الوعي بطبيعة النصوص الدينية"" [1] .

وهكذا يبدو أن كل ما هو تراثي لا يصلح مؤسسًا لوعينا العلمي، ومهمته تنحصر في كونه شاهدًا تاريخيًا على منهج تقدمي علمي ظهر ثم اندثر، وعلينا أن نستفيد من المغزى الذي نستخلصه منه وهو أنه""إذا كانت النصوص الدينية نصوصًا بشرية بحكم انتمائها للغة والثقافة في فترة تاريخية محددة هي فترة تشكلها وإنتاجها، فهي بالضرورة نصوص تاريخية"" [2] .

وهكذا يؤدي القول بخلق القرآن عند العلمانيين إلى إلغاء النص وتجميده، كما أدى ذلك لدى بعض المعتزلة إلى القول بالصرفة وتمييع مفهوم الإعجاز.

ثانيًا - القرآن والمسيح"الأثر التبشيري في الخطاب العلماني":

يزعم النصارى أن القرآن الكريم أشار إلى ألوهية المسيح وذلك لأنه سماه كلمة الله، وروح من الله، ومعلوم أن كلمة الله قديمة، فلذلك كان المسيح قديمًا، ولا يكون قديمًا إلا إذا كان إلهًا [3] . ويروي الألوسي في تفسيره أن طبيبًا نصرانيًا حاذقًا للرشيد ناظر علي بن الحسين الوافدي المروزي ذات يوم فقال له:"إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء من الله تعالى وتلا قوله تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ"

(1) نصر حامد"نقد الخطاب الديني"ص 206.

(2) السابق ص 206.

(3) انظر منار الحق رسالة في الأدلة القرآنية على صحة الديانة النصرانية ص 100، 103، 105. وكشف النقاب عن بعض غامضات آيات الكتاب لنصر الله ميخائيل قرألي ص 16. وأبحاث المجتهدين في الخلاف بين النصارى والمسلمين لنقولا يعقوب غبريل ص 57، 61. وانظر رد القمص سرجيوس على الشيخ الطنيخي ص 33، 38.وهكذا قال ابن دؤاد في مناظرته للإمام أحمد""وقد تعلق النصارى بمثل ما تعلق به هذا فقالوا عيسى غير مخلوق لأنه قال "وكلمته ألقاها إلى مريم""انظر: للقاضي عبد الجبار " طبقات المعتزلة"ص 124."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت