الصفحة 23 من 27

المدلول، وأن هذا الجزء الحادث جزء من اللوح المحفوظ، وأن اللوح المحفوظ بما فيه أيضًا مخلوق، وأنه لا قديم إلا الله عز وجل بصفاته العلى ومنها صفة الكلام.

والسؤال: هل يؤدي قول المعتزلة بخلق القرآن إلى النتيجة التي يولدها العلمانيون من هذا القول؟ وهي أن يصبح القرآن كتابًا عاديًا، مُخترَق القداسة، محصورًا بعصر من العصور؟

لم يكن القرآن كتابًا عاديًا لدى المعتزلة بل هو كتاب معجز بنظمه وتأليفه وأخباره عند جمهورهم وإن كان قد نسب إلى النظام القول بالصرفة [1] فقد رد عليه أصحابه [2] ، وبرأه من ذلك بعضهم [3] . على أنه حتى لو ثبت ما نسب إلى النظام فإنه يعتبر القرآن معجزًا بأخباره عن الغيبيات، وبأن الله أعجز العباد عن الإتيان بمثله، مما يحفظ للقرآن بعده الإلهي والغيبي والإعجازي الذي يسعى لزحزحته العلمانيون.

فلم يتأنسن القرآن الكريم كما يزعم العلمانيون نتيجة للأطروحة الاعتزالية وإنما هو لديهم مرتبط بمصدره الإلهي، ومشدود إلى كيانه المطلق"العلم، الإرادة"، وهم لا يختلفون في ذلك عن الأشاعرة حيث يعيده هؤلاء إلى"الكلام"وسموه الكلام النفسي تمييزًا له عن الكلام اللفظي المخلوق.

لقد كان المعتزلة من أشد الناس إيمانًا بالقرآن والإسلام وقد كان لهم البلاء الحسن في مواجهة الزنادقة والملحدين بالحجة والبرهان، أما العلمانيون فلا يحظى أغلبهم بهذا الشرف، ولا يُعبرون عن مطامح الأمة، ولا عن آمالها ولا يشعرون بآلامها، بل هم مع كل المناوئين لها، والهادمين لثوابتها، والحريصين على إذلالها، والمصدعين لبنيانها، ولا يُنظَر إليهم اليوم إلا بعين المقت أو الريبة أو الحذر، فهيهات أن يكون لهم شرف الانتساب إلى المعتزلة.

وأما عن المماثلة بين القرآن والمسيح في التجسد فهو ليس غريبًا أن يصدر من مبشر أو مستشرق كل همه أن ينثر الشكوك والشبهات بين المسلمين دون مبالاة بالحقيقة التي تعترض

(1) انظر: البلخي"مقالات الإسلاميين"ص 70 وهو جزء خاص بالمعتزلة موجود ضمن كتاب فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة. وانظر: تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار ص 232، 233 وانظر: أحمد قوشتي"حجية الدليل النقلي بين المعتزلة والأشاعرة"ص 80.

(2) الجاحظ في رسالته"نظم القرآن".

(3) انظر: الخياط"الانتصار"ص 62، 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت