طريقه، وإنما الغرابة في أن يتبنى ذلك رهط من المفكرين"التنويريين"وهم على علم يقيني بأن ما بين القضيتين كما بين المشرقين.
أفلا يعلم هؤلاء أن النصارى يعتبرون المسيح إلهًا، وانه أحد الأعمدة التي يقوم عليها الثالوث العجيب، وأنه في نفس الوقت ابن وإله وروح قدس، وأنه في نفس الوقت يُصلب ويُقتل ويُهان أشد الإهانة فهل المسلمون يعتبرون القرآن إلهًا، أم أنهم يسمونه"كلام الله"و"كتاب الله"عز وجل؟ وهذه الكلمة وحدها ترد على الملبسين والخالطين لأن القول بأن القرآن"كلام الله شيء"والقول بأن"المسيح إله"شيء آخر.
إن ما يزعمه النصارى والعلمانيون - كما رأينا - من أن اعتقاد المسلمين في القرآن كاعتقاد النصارى في المسيح، من كون الحروف والجسد مخلوقات، والكلمة والكلام ليسوا بمخلوقين، فالإجابة: لا تحتاج إلى كثير تدبر، لأننا نحن نعتقد أن الكلام صفة لله عز وجل وبالتالي فإنها لا يمكن أن تكون مخلوقة، لأن الله عز وجل قديم بذاته وصفاته، أما عن حقيقة هذه الصفات، وما هو كنهها؟ فلا يمكن لأحد أن يتجرأ على ذلك، لأنه لا يمكن لأحد أن يدرك كنه الذات الإلهية أو كنه صفاتها، ولكن يمكن لنا أن نستدل بالعقل على أنه عز وجل موصوف بكل صفات الكمال، ومنزه عن كل صفات النقصان.
أما النصارى فلا يعتقدون أن المسيح هو صفة من صفات الله، وإنما يعتقدون أنه ابن الله، وأنه إله قديم موصوف بكل ما هو موصوف به أبوه، ومساوٍ له في الذات والصفات [1] . وحتى لو قالوا إننا نعتقد أن المسيح هو صفة لله عز وجل فلا يمكنهم ذلك، لأنهم يغايرون بين الآب والابن، فالابن أصغر من أبيه، وسيقعد على يمينه يوم الدينونة، وهو الذي نزل وتجسد، والآب لم ينزل ولم يتجسد، وعندهم لكل إله من هذه الآلهة الثلاثة مهمة، فالآب هو الفادي الذي ضحى بابنه الوحيد، والابن هو المخلص المتبرع بالفداء على الصليب، والروح القدس مهمته الإلهام والتسديد [2] ، فالآلهة عندهم ثلاثة منها الابن، بخلافنا نحن المسلمين، فالإله عندنا واحد، والكلام صفة من صفاته الكثيرة سبحانه وتعالى.
ثم ألا يعلم هؤلاء أن كلمة الله تعالى هي قوله"كن"ولئن كان معنى هذه قديمًا فإن ذلك لا يقتضي أن يكون متعلَّقها أيضًا قديمًا، ولقد علم العقلاء وعامة علماء العربية أن عيسى ابن مريم ليس هو نفس كلمة"كن"ولكنه متعلَّقها وإنما أخبر الله عن عيسى عليه السلام بالكلمة نفسها مبالغة في بيان هذا التعلق، ومبالغة في تنبيه الذهن إلى أن خلقه إنما كان
(1) انظر: لحبيب سعيد"أديان العالم"ص 251.
(2) انظر: الدين المسيحي لمجموعة من المؤلفين ص 3.