هذا الموقف كان نتيجة قاد إليها الرفض القاطع لتجسد الله مسيحًا، ومن ثم لتجسد الله قرآنًا، وهو""ما قضى نهائيًا على التصور القائم على ثنائية التوافق بين المطلق اللاتاريخي قرآنًا، وأحل محله التصور القائم على ثنائية التباين والتفارق بين المطلق اللاتاريخي إلهًا، والنسبي التاريخي قرآنًا"" [1] .
القرآن تاريخي في منظور الخطاب العلماني لأنه كلام مبلغ للناس ومنسوخ بأيدي البشر، ومطبوع في مجلد"مصحف"ويُقرأ ويُنقل ويُقلب ويُترجم فأصبح كأي كتاب آخر مادي مُنتَج عن طريق تقنيات الحضارة والطباعة. أما اللوح المحفوظ فهو المحوط بالأسرار والذي لا سبيل إلى بلوغه [2] .
بناء على ما رأينا في التفرقة بين اللوح المحفوظ والقرآن المنزل فمن الأفضل - لدى الخطاب العلماني - أن نتحدث عن خطاب قرآني في المرحلة الأولية من تبليغ النبي - صلى الله عليه وسلم - له وليس عن نص قرآني، أما تدوين مجموع هذا الخطاب المنزل فقد جرى فيما بعد حيث أصبح نصًا قرآنيًا. وهذا التفريق يتخذ أهمية عظيمة على ضوء الألسنية الحديثة، فالخطاب هو البلاغ الشفهي وليس من الضروري أن يحتوي النص المكتوب على كل هذا البلاغ [3] .
""فالرسالات التي نقلها أنبياء بني إسرائيل ويسوع المسيح عليهم السلام ومحمد - صلى الله عليه وسلم - كانت أولًا بيانات شفهية سمعها وحفظها التلاميذ الذين تصرفوا فيما بعد كشهود ونقله لما سمعوه ورأوه، وفي جميع الأحوال، ومهما يكن الوضع اللاهوتي لأول تبليغ للرسالة فقد كان هناك انتقال إلى النص، تثبيت كتابي للرسالة التي جُمعت في ظروف تاريخية، وينبغي أن تكون غرضًا - وقد كانت كذلك - للرقابة التي يرضى عنها المؤرخ فيما بعد على نحو ما"" [4] .
وقد ثُبِّتت هذه النصوص""بحسب إجراءات ضبطتها وأشرفت عليها هيئات دينية في مجموعات مدونة رسمية مغلقة، رسمية: لأنها ناتجة عن جملة من القرارات المُتّخَذة من قبل سلطات روحية تعترف بها الجماعة، ومغلقة: لأنها لا يسمح لأيٍ كان أن يضيف أو يحذف
(1) السابق ص 379.
(2) انظر: أركون"نافذة على الإسلام"ص 31 وانظر له:"القرآن من التفسير الموروث إلى .."ص 22،82.
(3) انظر: أركون"نافذة على الإسلام"ص 53، 61، 62 والفكر الإسلامي نقد واجتهاد ص 77.
(4) أركون"نافذة على الإسلام"ص 57 وله"الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد"ص 81، 86.