الصفحة 17 من 27

سياق تاريخي محدد""وعلى الباحث أن يتناوله من موقع أدواته المعرفية المناسبة، وهو ما يجعل موقف المعتزلة أمرًا واردًا ومقبولًا في هذا السياق [1] .

بذلك يحاول الخطاب العلماني أن يمارس عملية مناورة خطيرة يمكن أن تُحقق له قبولًا لدى بعض الأوساط الإسلامية، لأنه لا يرفض القداسة رفضًا مباشرًا وإنما يقوم بتحويلها من القرآن إلى اللوح المحفوظ الذي لا نعلم عنه شيئًا، ولا يضير الخطاب العلماني في شيء فاللوح المحفوظ هو الكل والمطلق والثابت، بينما القرآن هو الجزء والمتحرك والمتغير، اللوح المحفوظ هو اللاتاريخي بينما القرآن هو التاريخي [2] .""القرآن ليس إلا كتابًا وُجِّه في حينه عصره العصر السابع، بينما اللوح المحفوظ هو الكتاب الذي يحتوي على كل الأعمال بما فيها كتاب القرآن نفسه"" [3] .

ولكن المناورة العلمانية تبدو عندما يقال في مثل هذا السياق بأن القرآن بالنسبة إلينا يعني كل شيء، ولكنه لا يعني شيئًا محددًا مشخصًا من طرف آخر [4] ، وتعتبر هذه الانطلاقة تأسيسًا لاتجاه فكري وضعي عقلاني مستنير لأنها تُكرس حرية الإنسان ومسؤوليته [5] .وذلك في مقابل اللوح المحفوظ الذي يصبح كلمة تقال لإسكات المؤمنين وتعويضهم عن المقدس"القرآن"الذي فقد

تعاليه وقداسته [6] . لأن القرآن""يبدأ في الانسلاخ عن نمط الوجود الثابت الممثل باللوح المحفوظ ... ليتحول إلى نص يخاطب البشر، أي حالما يتموضع بشريًا ... وفْق تحرك وتغير مصالح البشر ... وحالئذ كان لا بد من مواجهة النتيجة التالية والإقرار بها: ما لله مجسدًا بـ"اللوح المحفوظ"وما للناس مجسدًا بـ " القرآن"" [7] ."

(1) انظر: السابق ص 374.

(2) انظر: طيب تيزيني"النص القرآني .."ص 377 وانظر: أركون"القرآن من التفسير الموروث .."ص 22.

(3) السابق ص 425.

(4) انظر: السابق نفسه.

(5) انظر: السابق نفسه.

(6) يبدو أن محمد النويهي في كتابه"نحو ثورة في الفكر الديني"هو أول من حاول استغلال هذه التفرقة بين القرآن واللوح المحفوظ للتأسيس للتاريخية والخطاب العلماني يعول على أطروحته كثيرًا باعتباره صوتًا أزهريًا انظر: نحو ثورة في الفكر الديني"محمد النويهبي ص 29 فما بعد."

(7) تيزيني السابق ص 378 وانظر: أركون"القرآن من التفسي .."ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت