وعندئذ يصبح القرآن في متناول العبث العلماني فكل ما يمكن أن يأتي على النصوص البشرية ليس بمعزل عن النص القرآني إنه سيخضع لكل العاديات البشرية اجتماعيًا وتاريخيًا ومنهجيًا لأن النصوص تأنسنت""إن القول بإلهية النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية تلك يستلزم أن البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها"" [1] .
ولكن المسلمين فهموا كتاب الله حق الفهم، ولم تحل قداسته واعتقادهم أنه دال على الصفة الأزلية القديمة لله عز وجل وهي صفة الكلام، لم يحل ذلك دون فهمه وقراءته تعبدًا واستنباطًا واجتهادًا، و""حتى لئن سلمنا جدلًا بالمقابلة بين التجسد بالمسيح، والتكلُّم بالقرآن فإن واقعة التجسد تخاطب في الإنسان وجدانه، أما واقعة التكلم فتخاطب في الإنسان عقله، فالمسيحية في التحليل الأخير قصة، أما الإسلام فخطاب موجه إلى العقل، والمسيحي مطالَب أكثر ما هو مطالب بـ"الاقتداء بالمسيح"أما المسلم فمطالب بـ " الفهم عن الله - كما كان يقول المحاسبي - ومن هنا فإن القرآن دعوة دائمة إلى تشغيل الذهن لفهمه واستيعابه تفسيرًا وتأويلًا واستباطًا"" [2] ."
وهكذا يقرر الخطاب العلماني أنه في المسيحية صارت كلمة الله إنسانًا كي يصير الإنسان إلهًا، وفي الإسلام صارت كلمة الله قرآنًا يوحى، وهو آية محمد الوحيدة والفريدة التي تحدى بها العرب فكانت الكلمة آيته الوحيدة [3] . وذلك من أجل أن يضع الوحي المتعالي في سياق التاريخ، ويصل الإلهي بالبشري لا بشخصه بل بالنص الذي انتظم هو في سياقه [4] .
وهذا ما جعل الحضارة الإسلامية تتميز بأنها حضارة لوغوس مكتوب، فهي بامتياز حضارة كتاب""الكتاب من حيث هو وعاء المعرفة والأداة الوحيدة لإنتاجها وتداولها"" [5] . وهو ما يعني أهمية وخطورة الكلمة المكتوبة، لأن العقل""لا يظهر نشاطه إلا من خلال الكلمة"" [6] .
(1) نصر حامد أبو زيد"نقد الخطاب الديني"ص 206
(2) جورج طرابيشي"نظرية العقل"ص 360.
(3) انظر: عبد الهادي عبد الرحمن"سلطة النص"ص 45.
(4) انظر: هشام جعيط"الإسلام والقومية"حوار مع هشام جعيط في مجلة الوحدة - الرباط 1989 ص 171، 172 نقلًا عن عبد الهادي عبد الرحمن"سلطة النص"ص 45.
(5) انظر: جورج طرابيشي"نظرية العقل"ص 360، 361.
(6) انظر: نصر حامد"النص، السلطة، الحقيقة"ص 83.