الصفحة 14 من 27

طبيعة مزدوجة للسيد المسيح، ويصر على طبيعته البشرية، فإن الإصرار على الطبيعة المزدوجة للنص القرآني وللنصوص الدينية بشكل عام يعد وقوعًا في التوهم نفسه"" [1] .

ما هو سبب التوهم؟ إنه هاجس دائم يراود العلماني أن يُغيِّب الميتافيزيقي ويُبرز المادي، ولا ينسى دائمًا أن يتهم الآخرين بسوء القصد والنية""وينتج التوهم في الحالتين عن إهدار الحقائق التاريخية الموضوعية الملابسة للظاهرة، والتمسك بأصلها الميتافيزيقي والإصرار على أنه وحده المفسر لها، والمحدد لطبيعتها، ويعد التوهم من ثم حالة فكرية ثقافية تعكس موقفًا أيديولوجيًا في واقع تاريخي محدد، وإذا كان هذا التوهم قد أدى إلى عبادة ابن الإنسان في العقائد المسيحية، فإنه قد أدى في العقائد الإسلامية إلى القول بقدم القرآن وأزليته بوصفه صفة قديمة من صفات الذات الإلهية، وفي الحالتين يتم نفي الإنسان وتغريبه من واقعه لحساب الإلهي والمطلق كما يبدو على السطح، بل لحساب الطبقة التي يتم إحلالها محل المطلق الإلهي"" [2] .

إنه تهجم واضح على المنهج السلفي وذلك بجعله طبقة كهنوت تتحكم في الدين الإسلامي لإفساح المجال للحل الاعتزالي القائم على القول:""بحدوث القرآن وبأنه مخلوق لا أزلي"" [3] وهذا الحل الاعتزالي يفسح المجال لإقصاء طبقة الكهنوت الديني التي تعمل لحساب أنفسها باسم الإلهي - إذا سلمنا بذلك - وتنصيب طبقة كهنوت علماني جديدة لا تعمل لحساب الإلهي وإنما لحساب أنفسها أيضًا ولكن باسم الإنسان.

ولكن هل نتوقف عند ذلك؟ لا، لأننا عندئذ سنصبح في موقف""يسمح لنا بالقول بأن النصوص الدينية نصوص لغوية شأنها شأن أية نصوص أخرى في الثقافة، وأن أصلها الإلهي لا يعني أنها في درسها وتحليلها تحتاج لمنهجيات ذات طبيعة خاصة تتناسب مع طبيعتها الإلهية الخاصة"" [4] . ويمكننا عندئذ أن ننظر إلى القرآن""بمثابته نصًا تاريخيًا"" [5] . ونتخلى عن الاعتقاد بالأزلية والقدم لأن ذلك ليس إلا تأليهًا للقرآن، وشكلًا من أشكال التجسيد التي استُعيرت من اللاهوت المسيحي أو اليهودي [6] .

(1) نصر حامد"نقد الخطاب الديني"ص 205.

(2) السابق نفسه. وانظر: طيب تيزيني"النص القرآني"ص 372،373.

(3) المصادر السابقة نفسها.

(4) نصر حامد"السابق ص 206: وطيب تيزيني نفسه."

(5) انظر: طيب تيزيني"النص القرآني"ص 374.

(6) انظر: هشام جعيط"الوحي والقرآن والنبوة"ص 106 والعشماوي"العقل في الإسلام"ص 60 وله"أصول الشريعة"ص 69، 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت