والمقارنة بين القرآن والمسيح من حيث طبيعة نزول الأول، وطبيعة ميلاد الثاني تكشف عن أوجه التشابه بين البنية الدينية لكل منهما داخل البناء العقائدي للإسلام نفسه"" [1] .
ثم يضيف الخطاب العلماني:""ولعلنا لا نكون مغالين إذا قلنا إنهما ليستا بنيتين بل بنية واحدة رغم اختلاف العناصر المكونة لكل منهما، فالقرآن كلام الله، وكذلك عيسى بن مريم {رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ} [2] . وقد كانت البشارة لمريم {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ} [3] . وإذا كان القرآن قولًا أُلقي إلى محمد عليه السلام، فإن عيسى بالمثل كلمة الله {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [4] .
أي أن محمدًا = مريم، والوسيط في الحالتين واحد وهو الملَك جبريل عليه السلام الذي تمثل لمريم بشرًا سويًا، وكان يتمثل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في صورة أعرابي، وفي الحالتين يمكن أن يقال إن كلام الله قد تجسد في شكل ملموس في كلتا الديانتين، تجسد في المسيحية في مخلوق بشري هو المسيح، وتجسد في الإسلام نصًا لغويًا في لغة بشرية هي اللغة العربية، وفي كلتا الحالتين صار الإلهي بشريًا أو تأنسن الإلهي، واللغة العربية في الوحي الإسلامي تمثل الوسيط الذي تحقق فيه وبه التحول، ويتمثل اللحم والدم - مريم - الوسيط الذي تحقق التحول فيه وبه في المسيحية"" [5] .
إن المغالطة التي يريد أن يمررها الخطاب العلماني هي ما سيكشفه الغزالي بعد قليل، وتقوم على تجاهل معنى الكلمة المقصودة في النص القرآني وهي الكلمة الخالقة"كن"وليس المسيح هو الكلمة إلا مجازًا، لأنه خُلق بها مباشرة دون توسط أسباب طبيعية كبقية المخلوقات، فتسميته بالكلمة هنا تنبيه إلى المعجزة الإلهية الخارقة للمألوف، وهو كما تقول عن شخص ذكي: فلان شعلة من الذكاء، فهو لم يصبح شعلة بالفعل وإنما تريد إبراز الجانب الجوهري فيه وتنبه إليه، وكذلك هناك تنبيه إلى الميلاد المعجز للمسيح عليه السلام، ولكن الخطاب العلماني يتوهم أنه كشف توهُّم أهل السنة عن طريق اجتراره لمغالطة قديمة تداولها المسيحيون عبر التاريخ في مؤلفاتهم وكشف المسلمون عوارها وقصورها دائمًا أيضًا، لكن الخطاب العلماني يتجاهل ذلك حين يقول منتشيًا:""وإذا كان الفكر الديني الإسلامي ينكر على الفكر الديني المسيحي تَوهُّم
(1) انظر: نصر حامد"نقد الخطاب الديني"ص 204، 205.
(2) سورة النساء آية 171.
(3) سورة آل عمران آية 45.
(4) سورة النساء آية 171.
(5) انظر: أبو زيد السابق ص 205 وانظر:"العشماوي"أصول الشريعة"ص 69 الفكرة نفسها تمامًا و"جوهر الإسلام"ص 143 وطيب تيزيني"النص القرآني"ص 372."