هو الهدف المعلن عنه بالدرجة الأولى، لكن الهدف الحقيقي الذي لا يُعلن عنه إلا متواريًا في عبارات مبهمة هو إلغاء النص وزحزحة قداسته المركوزة في الشعور الإسلامي تحت مسميات التاريخية والأنسنة والأسطرة وغير ذلك.
ومن هنا يرى الخطاب العلماني أنه""لئن كانت الواقعة الأساسية في المسيحية هي تجسد الله في المسيح، فإن الواقعة الأساسية المعادلة في الإسلام هي تَكلُّم الله في القرآن"" [1] .
وهكذا فإن""الذي يقابل المسيح لدى المسلمين ليس هو النبي [- صلى الله عليه وسلم -] على عكس ما نتوهم، وإنما هو القرآن. لماذا؟ لأن المسيح لدى المسيحيين أكثر من نبي على عكس محمد [- صلى الله عليه وسلم -] الذي هو نبي فقط، بل وبشر، أما يسوع المسيح فقد تجسدت فيه كلمة الله أو الأب والروح القدس، وبالتالي فله طبيعة إلهية تمامًا كالقرآن، هكذا نجد أن الله تجسد لدى المسيحيين في شخص بشري هو عيسى ابن مريم، وتجسد لدى المسلمين في نص لغوي هو القرآن. هنا تكمن فائدة تاريخ الأديان المقارن الذي يوضح لنا ظاهرة التقديس التي تبقى واحدة في كل الأديان على الرغم من اختلاف تجلياتها"" [2] .
وهكذا تتم المساواة بين عقيدة المسلمين في القرآن وعقيدة المسيحيين في المسيح من أجل تكريس نسبية الحقيقة الإسلامية، ودمجها في ركام من الأساطير لزحزحة تعاليها، وتمييع تفردها، وتفتيتها في داخل المنظومات التقديسية المزيفة. وعلى ذلك يقال:
""إن الشيء الذي يقابل يسوع المسيح في الإسلام هو القرآن بصفته الكتاب المقدس الذي يحتوي على كلام الله الموحى به، وأما يسوع المسيح بصفته تجسيدًا لكلمة الله، فإنه يشبه المصحف الذي تجسد فيه كلام الله"" [3] .
إن أهل السنة - في منظور الخطاب العلماني - يَسقطون في التناقض لأنهم يرفضون التصور المسيحي للمسيح في الوقت الذي يتبنون فيه نفس التصور فيما يتعلق بالقرآن""فهم يرفضون أي طبيعة أخرى للمسيح سوى الطبيعة الإنسانية الخالصة، ويستندون في ذلك على النصوص التي تؤكد عبودية المسيح لله عز وجل، وتؤكد أن الطبيعة الخارقة لمولده من أم دون أب لا تعني شيئًا يغير من طبيعته البشرية، فشأن عيسى في ذلك كشأن آدم خلقه من تراب،
(1) انظر: جورج طرابيشي"نظرية العقل"ص 360.
(2) انظر: هاشم صالح"تعليقاته على كتاب محمد أركون"القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني"ص 23 والرأي يشاركه فيه أركون أيضًا."
(3) انظر: أركون"السابق"ص 24.