وَرُوحٌ مِنْهُ [1] . فقرأ الوافدي قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [2] . ثم قال: إذن يلزم أن تكون جميع الأشياء جزء منه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، فانقطع النصراني وأسلم، ففرح الرشيد، ووصل الوافديَّ بصلة فاخرة [3] .
ويروى عن يوحنا الدمشقي أنه كان يعلم أهل ملته مجادلة المسلمين فيقول: إذا سألك العربي ما تقول في المسيح؟ فقل: إنه كلمة الله؟ ثم ليسأل النصراني المسلم، بمَ سُمِّى المسيح في القرآن؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيبه المسلم، فإنه سيضطر إلى أن يقول: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [4] . فليسأل عن كلمة الله وروحه أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ فإن قال مخلوقة، فليرد عليه بأن الله كان، ولم تكن له كلمة ولا روح، فإن قلت ذلك فسيفحم العربي، لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين" [5] ."
وفي العصر الحديث أيضًا يستخدم المجادلون المسيحيون هذه المغالطة من أجل تبرير دعواهم في ألوهية المسيح عليه السلام فيقول حبيب سعيد:""المسلم السني لا يقول بخلق القرآن بل يقول: إنه منزل غير مخلوق، وإن سألت كيف يكون القرآن غير مخلوق، وكل المواد التي يتألف منها مخلوقة أجابك هذه المواد مخلوقة، ولكن كلمة الله غير مخلوقة، وأنت ترى من هذا أن اعتقاد المسلم بالقرآن هو نفس اعتقاد المسيحي بالمسيح، فهو كلمة الله غير مخلوق، وإنما جسده المخلوق"" [6] .
لكن الغريب أن الخطاب العلماني استُلب تمامًا لهذا الجدل التنصيري المسيحي، والسبب كما يبدو هو أن هذه الفكرة تبرر لهم - كما يظنون وكما ظن المعتزلة من قبلهم - القول بخلق القرآن تخلصًا من هذا المأزق اللاهوتي الذي يفضي إليه القول بأزلية الكلام الإلهي، هذا
(1) سورة النساء آية 171.
(2) سورة الجاثية آية 13.
(3) انظر للآلوسي روح المعاني عند قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} سورة النساء آية 171.
(4) سورة النساء آية 171.
(5) انظر: يوحنا الدمشقي"الهرطقة المائة"ص 71 ط 1997 / بيروت. بدون أي بيانات أخرى.
(6) انظر أديان العالم لحبيب سعيد ص 251 - 287. وانظر رد القمص سرجيوس على الشيخ الطنيخي ص 5 فما بعد وهذا التلبيس الأخير من التلبيسات القديمة التي أثارها بعض علماء النصارى في وقت مبكر، فيروي ابن النديم عن فثيون النصراني وكان معاصرًا لابن كُلاّب أنه سئل ما تقول في المسيح فقال: أقول فيه ما يقول أهل السنة في القرآن، أعني أنه غير مخلوق. انظر الفهرست ص 180.