الأمر بالتكوين، فالإلقاء مجازيٌّ إذن [1] ، وقد ورد مثل ذلك في حق آدم عليه السلام لما اشتركا في عدم التكوين عن الأسباب العادية حيث يقول عز وجل: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [2] . والله عز وجل لا يد له [3] ، وإنما المراد خلقته بقدرتي، إشارة إلى أنه لم يتكون من منيٍّ، وإنما كوِّن بقدرته عز وجل، ويشير بذلك إلى فوات السبب العادي، وإذا فات السبب العادي أضيف إلى السبب البعيد المشبه بالحقيقي وهو كلمة الله عز وجل. وقد جاءت المماثلة صريحةً في قوله عزّ وجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [4] . وكذلك قوله جلّ شأنه: {وَرُوحٌ مِنْهُ} أي هو روحٌ تكوينها صادرٌ عنه تعالى منفكًا عن الأسباب العادية التي تضاف إليها الأشياء عادةً [5] .
وأما عن تفريقهم بين القرآن والمصحف، أو بين كونه خطابًا شفهيًا وبين كونه نصًا مكتوبًا فهو تفريق إن كان يصح ويُقبل في كل النصوص الأخرى سواء كانت بشرية أو سماوية، فإنه لا يصح في القرآن الكريم بالذات، لأن التلازم بين القراءة والكتابة ميزة اختص الله عز وجل بها كتابه الكريم، والعلمانيون في هذا الصدد يتجاهلون أن المعتمد في حفظ القرآن الكريم بالدرجة الأولى هو المشافهة، والكتابة تأتي مرحلة ثانية وثانوية وما يتلوه المسلمون اليوم، وما يتلوه ملايين الأطفال في كتاتبيهم هو نفسه الذي تلاه جبريل عليه السلام على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم -.
لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُتعب نفسه في التلفظ بالقرآن بين يدي جبريل عليه السلام خوفًا عليه من الضياع والنسيان فطمأنه البيان الإلهي بقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا
(1) : انظر الرد الجميل للغزالي ص 310 - 311. وانظر الجواب الصحيح لابن تيمية ص 165 - 166/ 2. وانظر للقاضي عبد الجبار تثبيت دلائل النبوة ص 116/ 1. والمغني له أيضًا ص 111 - 112/ 5. وانظر للجاحظ المختار في الرد على النصارى ص 122.
(2) سورة ص آية 75.
(3) طبعًا اختار الغزالي هنا أن يؤول اليد بالقدرة، وهو اختيار مناسب في الجدل مع النصارى، وهو أحد الأوجه التي يراها الغزالي صالحة لحمل اللفظ عليها لأن فيها تنزيهًا للباري عز وجل عن الجسمية، ولكن الأولى أن نقول إن لله عز وجل يد ًا كما قال، حتى لا ننفي ما أثبته الله عز وجل لنفسه.
(4) سورة آل عمران آية 59.
(5) انظر: للغزالي"لرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل"ص 310 - 311 وانظر للرازي التفسير الكبير ص 117 / مجلد 6 جزء 11.