بمحض إرادة الله تعالى التي تمثلت في قوله تعالى:"كن" [1] . ولو كان متعلق الإرادة قديمًا مثل الإرادة نفسها لكان العالم كله قديمًا، إذ هو ليس إلا نتيجة إرادته سبحانه وتعالى وقوله له: كن". ألا ترى إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [2] . فكما يقول الله تعالى لكل شيء يريد خلقه:"كن فيكون"كذلك قال الله تعالى عن عيسى ابن مريم كن فكان مخلوقًا، وكما أن الأشياء كلها حادثة في خلقها وإن تعلق بها خطاب الله القديم، فكذلك عيسى ابن مريم عليه السلام حادث في خلقه وإن تعلق به خطاب الله القديم [3] ."
ولكن الغزالي يتولى نقض هذه الشبهة ببيانه الناصع، وحجته الباهرة فيقول: السبب العادي في تكوين كل مولود هو ما نعرفه من الجماع، الذي يتم في شروط معينة يحصل من خلاله العلوق، وكل شيء له سبب قريب وسبب بعيد، فالأكثر إضافته إلى سببه القريب، فيقال عند رؤية الرياض الخضر المنداة التي تتقاطر المياه منها: انظر إلى صنع المطر، ولكن الصانع الحقيقي هو الله عز وجل، ولو رأى الرياض الخضراء دون أن يتذكر المطر أو يراه لقال: انظر إلى صنع الله عز وجل، فيصرح بالسبب الحقيقي لغياب السبب العادي القريب [4] .
فإذا اتضح هذا فنقول: السبب القريب في حق عيسى عليه السلام [أي الجماع] لما دل الدليل على عدم وقوعه، أضيف خلقه وتكوينه إلى السبب البعيد وهو الكلمة، لأن كل شيء مخلوق بكلمة الله عز وجل القائل بها لكل مخلوق:"كن"فإذا هو كائن، فلهذا السبب صرح في حق عيسى عليه السلام بالسبب الحقيقي، إشارة إلى انتفاء السبب العادي القريب في خلق كل إنسان، وهو اللقاء بين الرجل والمرأة في شروط معينة.
ثم أوضح القرآن ذلك بقوله: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلى مَرْيَمَ} [5] . يريد أن الولد إنما يتكون من إلقاء المني إلى أمه، وهذا المولود لم يخلق إلا بإلقاء الكلمة إلى أمه التي هي عبارة عن
(1) انظر: د. البوطي"كبرى اليقينيات الكونية"ص 129. راجع للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله رسالته"الرد على الزنادقة والجهمية"ص 32.
(2) سورة النحل آية 40
(3) انظر: د. البوطي السابق نفسه.
(4) انظر الرد الجميل ص 310.
(5) سورة النساء آية 171.