الصفحة 22 من 27

المبحث الثاني

تعقيب ونقد

أولًا - الفرق بين الرؤية الاعتزالية والرؤية العلمانية"البعد الإلهي":

لم يكن المعتزلة متسقين مع أنفسهم عندما أثبتوا لله عز وجل الصفات المعنوية جميعها وهي كونه عليمًا، حيًا، سميعًا، بصيرًا، ولم يثبتوا معها الصفة السابقة وهي كونه عز وجل متكلمًا وإنما قالوا إن معنى كونه متكلمًا داخل في العلم إذا كان إخبارًا، وفي الإرادة إذا كان أمرًا أو نهيًا [1] . مع أن الكلام صفة زائدة على معنى كل من صفتي العلم والإرادة فلماذا يرفضون كونه متكلمًا مع أن ذلك كإثبات كونه عليمًا وقديرًا وحيًا وسميعًا وبصيرًا.

ولكن ما دام المعتزلة يثبتون لله عز وجل معنى الكلام ويدخلونه تحت مسمى العلم أو الإرادة فهم إذًا قد سلموا مع أهل السنة والجماعة بثبوت المعنى الذي يسميه هؤلاء"الكلام النفسي"وبقي الخلاف حول الألفاظ والتسميات، فما يسميه الأشاعرة وغيرهم بـ"الكلام النفسي"يسميه المعتزلة بـ"العلم"أو"الإرادة" [2] .

ولكن المؤسف أن الخطاب العلماني يطيب له أن يلعب بالعقول ويزور الحقائق، ولا يشعر أدنى شعور بأنه يخون العلم والأمانة، ولعل ذلك عائد إلى طول ملازمته للباطل واسئناسه إليه مما ولد بينهما ألفة تعود نتائجها السلبية على الفكر بكثير من التشويش والاضطراب.

وإلا فما هو الفرق بين الرؤية السنية والاعتزالية إذا كانوا جميعًا يعتبرون القرآن الكريم كلام الله عز وجل {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [3] . وإذا كانوا جميعًا يقرون بأن هذا الكلام يؤول أو يدل على صفة إلهية هي الكلام عند الأشاعرة، والعلم أو الإرادة عند المعتزلة، ففيه لدى الطرفين بُعْدٌ إلهي غيبي مفارق مطلق متجاوز للزمان والتاريخ. وجمهور الأمة متفقون على أن الألفاظ المدونة بين دفتين حادثة مخلوقة وأن القديم هو

(1) انظر: القاضي عبد الجبار"رسائل العدل والتوحيد"ص 196 تحقيق د. محمد عمارة - دار الهلال 1971 م وانظر: د. محمد سعيد رمضان البوطي"كبرى اليقينيات الكونية"ص 126،130.

(2) انظر: د: البوطي"كبرى اليقينيات الكونية"ص 127.

(3) سورة فصلت آية 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت