الصفحة 16 من 27

ومن هنا يميز الخطاب العلماني بين مستويين للكلام الإلهي: الكتاب السماوي""النموذج المثالي الذي يحتوي كلية كلام الله المحوطة بالأسرار، والتي لا سبيل إلى بلوغها: الكتاب، القرآن، الذكر، الفرقان، وبين الكتاب المعلَن التاريخي، الكلام المبلَّغ للناس، المرتبط منذئذ بتاريخ الخليقة الأرضي، الكلام المنسوخ بأيدي البشر على رق، أو ورق، مجموع في كتاب مجلد، في مصحف أقلبه وأنقله وأقرؤه وأترجمه ... التمييز نفسه يمكن أن يجري مع المسيح كلمة الله المتجسدة ومع الأناجيل"" [1] .

وعلى ذلك فـ""إن كتب الوحي المتتابعة ليست إلا طبعات أرضية لهذا الكتاب السماوي والنموذجي الأعلى، أي أم الكتاب، وهذا الاعتقاد تترتب عليه نتائج وانعكاسات مطلوب من إعادة القراءة أن تتفحصها بكل انتباه"" [2] .

وأول هذه الانعكاسات أن المعرفة في أم الكتاب متَصوَّرة وكأنها أزلية صحيحة كلية أبدية، أما في الطبعات الأرضية فهي عرضة للتنقيح والتعديل والمراجعة، وثاني هذه الانعكاسات أن علوم اللغة تمثل المحور الأول في تنظيم المعرفة داخل مجتمعات الكتاب [3] . وينتج عن ذلك أنه من""الضروري أن نُبين إلى أي مدى يمكن وصف جدلية الكتابات المقدسة"القراءات" [4] بصفتها انعكاسًا للجدلية الاجتماعية في مجتمعات الكتاب السماوي، ومحفزًا لهذه الجدلية"" [5] . ذلك لأن الكتاب السماوي المقدس يزيد من قدسيته أنه يطرح نفسه بانتماء"ماورائي"فعندما يتحول إلى كلمة مكتوبة فإن ذلك""يبدو بمثابة اختراق لقدسيته، فهو أي القول المقدس حين يُنطَق به يغدو صنوًا للوجود المتحقق"" [6] .

ومن هنا يمكن أن يتجلى هذا القول المقدس حين يتجسد في كتاب مكتوب بأنساق ذهنية متعددة ومتنوعة [7] ،""ويبرز نصًا لغويًا تاريخيًا ينتمي إلى مرجعية لغوية وسوسيوثقافية ذات

(1) أركون"نافذة على الإسلام"ص 32 وله"القرآن من التفسير الموروث .."ص 82.

(2) أركون"القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني"ص 109.

(3) انظر: أركون"السابق"نفسه.

(4) يقصد هنا أركون بالقراءات الكتب المقدسة التوراة والإنجيل والقرآن فهي بنظره قراءات مختلفة للكتاب السماوي"اللوح المحفوظ"نزلت بحسب الأطر الاجتماعية والثقافية للمعرفة السائدة.

(5) أركون"السابق نفسه."

(6) طيب تيزيني"النص القرآني .."ص 144، 145.

(7) انظر: السابق ص 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت