كلمة أو يعدِّل قراءة في المجموعة المدونة التي اعتُبرت صحيحة، والواقعة التاريخية الحاسمة التي لا رجعة عنها والمشتركة بين التقاليد الثلاثة المدونة [يقصد التوراة والإنجيل والقرآن] هي أن التنزيل لم يعد في متناول المؤمنين إلا انطلاقًا من المجموعات المدونة الرسمية المغلقة التي تسمى عادة الكتاب المقدس أو كلام الله"" [1] .
""فلفظ القرآن لا يصح أن يُطلق حقيقة إلا على الرسالة الشفوية التي بلغها الرسول إلى الجماعة التي عاصرته، أما ما جُمع بعد وفاته في ترتيب مخصوص ودِّون"بين دفتين"فمن المعروف أن الصحابة أنفسهم لم يكونوا في البداية متفقين حول مشروعية هذا الجمع الذي لم يقم به النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يأمر به، فعارض عمر بن الخطاب مثلًا الرأي الذي رآه أبو بكر في هذا الشأن قبل أن يشرح الله صدره لمبادرة الخليفة، وترددوا حتى في الاسم الذي سيطلقونه على هذه الظاهرة قبل أن يستقر الأمر على نعتها بـ"المصحف"ثم كان توحيد هذه المدونة بقرار سياسي"" [2] .
وهكذا - بنظر الخطاب العلماني - لقد ضاع البلاغ الشفهي الأول وإلى الأبد [3] . ومن الضروري الآن التفريق بين المرحلة الشفهية والمرحلة الكتابية باستخدام وسائل التحليل الأنتروبولوجي الذي يحلل التنافس القائم بين العقل الشفهي والعقل الكتابي [4] . وسنكتشف أن عملية الانتقال من مرحلة الخطاب الشفهي إلى مرحلة النص المكتوب والناجز تطرح مشاكل عديدة لا أحد يفكر فيها [5] فلم تتشكل""المدونة الرسمية المغلقة الناجزة، الجاهزة، النهائية"المصحف"إلا بعد حصول الكثير من عمليات الحذف والانتخاب والتلاعبات اللغوية التي تحصل دائمًا في مثل هذه الحالات، فليس كل الخطاب الشفهي يُدوَّن وإنما هناك أشياء تُفقَد أثناء الطريق"" [6] .
بناء على ذلك فإن الخطاب العلماني وكما فرق بين اللوح المحفوظ والقرآن، فإنه يفرق بين القرآن والمصحف، فالقرآن هو ما يدل على التلاوة المطابقة للخطاب المسموع وليس المقروء أو المكتوب، أما المصحف فهو ما يدل على النص المكتوب المدوَّن في عهد الخليفة الثالث
(1) أركون"نافذة على الإسلام"ص 57، 58.
(2) عبد المجيد الشرفي"الإسلام بين الرسالة والتاريخ"ص 49.
(3) انظر: أركون"القرآن من التفسير الموروث إلى .."ص 38 وله"قضايا في نقد العقل الديني"ص 187.
(4) انظر: أركون"تاريخية الفكر العربي الإسلامي"ص 20.
(5) انظر: أركون"قضايا في نقد العقل الديني"ص 187.
(6) أركون"السابق"ص 187، 188.