عثمان [1] قال أركون:""قلت المصحف ولم أقل القرآن لأنه يدل على الشيء المادي الذي نمسكه بأيدينا يوميًا، ولأنه يقابل التوراة والإنجيل بالضبط، فهو كتاب مؤلف من صفحات سُجِّل فيها الخطاب القرآني بالخط المعروف"" [2] ، فتحول إلى كتاب مادي متداول بين الناس، ينتج بواسطة تقنيات الحضارة المعروفة [3] .
وهذا التحول والانتقال من المرحلة الشفاهية إلى الكتابية أو من المرحلة المتعالية المقدسة إلى المرحلة العادية التاريخية قد حصل في إطار سياق ثقافي وسياسي واجتماعي محدد تمامًا بمعنى أنه يمكن للمؤرخ أن يتعرف على حيثياته بشكل صحيح إذا ما استفاد من منهجيات علم التاريخ الحديثة [4] ، ويعيد الطابع التاريخي إلى كل ما نزعت عنه الصبغة التاريخية [5] .
وهو أمر""من شأنه أن يزعزع جميع الأبنية التقديسية والتنزيهية التي بناها العقل اللاهوتي التقليدي"" [6] ، لأن التاريخية هي""فرز ما هو تاريخي عما هو تبجيلي تضخيمي"" [7] ، والتفريق بين المرحلة الشفاهية والمرحلة الكتابية للقرآن يخدم هذا الغرض لأن الكلام المقدس عندئذ""لا يعنينا إلا منذ اللحظة التي تموضع فيها بشريًا ... وهي في تقديرنا تلك اللحظة التي نطق بها محمد [- صلى الله عليه وسلم -] فيها باللغة العربية"" [8] ، وعندئذ فـ""ما هو خارج اللغة وسابق عليها أي الكلام الإلهي في إطلاقيته لا يمت لنا نحن البشر بصلة ... وأي حديث عن
(1) انظر: أركون"الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد"ص 77 و"نافذة على الإسلام"ص 53 وخالد السعيداني"إشكالية القراءة"ص 174 وانظر: عبد المجيد الشرفي"الإسلام بين الرسالة والتاريخ"ص 47، 48، 49 وانظر: سيزا قاسم"القارئ والنص"ص 48، 49 ونائلة السليني"تاريخية التفسير القرآني"ص 9.
(2) أركون"الفكر الإسلامي نقد واجتهاد"ص 81 وانظر: عبد المجيد الشرفي"الإسلام بين الرسالة والتاريخ"ص 49.
(3) انظر: أركون"من فيصل التفرقة إلى فصل المقال أين هو الفكر الإسلامي المعاصر"ص 59 و"نافذة على الإسلام"ص 62 وخالد السعيداني"إشكالية القراءة"ص 182.
(4) انظر: أركون"من فيصل التفرقة إلى فصل المقال .. أين هو الفكر المعاصر"ص 59 وخالد السعيداني"إشكالية القراءة"ص 183.
(5) انظر: أركون"من فيصل التفرقة إلى فصل المقال أين هو الفكر الإسلامي المعاصر"ص 59، 60.
(6) أركون"نافذة على الإسلام"ص 63.
(7) أركون"قضايا في نقد العقل الديني"ص 293.
(8) نصر حامد أبو زيد"النص، السلطة، الحقيقة"ص 97 وانظر: إلياس قويسم"إشكالية قراءة النص"ص 113.