بغض النظر عن متعلقاتها الحادثة، وإذا لم يكن بد من الاستدلال بالشاهد لتقريب الصورة للبشر - تعالى الله وتقدس - فإن ذلك يمكن أن يعتبر مثل الإنسان الذي يملك القدرة على الكلام، ويملك العلم، ويملك القدرة مع أنه لا يمارس هذه الملكات، وعدم خروجها إلى الفعل لا يعني أنها غير موجودة.
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا
قال الإمام الغزالي:""والكلام عندنا معنى قائم بالنفس على حقيقته وخاصية يتميز بها عما عداه"" [1] . وقال إمام الحرمين الجويني:""الكلام هو القول القائم بالنفس، وإن رُمنا تفصيلًا فهو القول القائم بالنفس الذي تدل عليه العبارات وما يُصطلح عليه من الإشارات"" [2] .
ولكن الخطاب العلماني يستمر في مساندة التوجه الاعتزالي وإبراز فلسفته بقصد تحقيق مقاصد"فكرانية"انتُهجت سلفًا، وتبرز هنا التفرقة الاعتزالية بين القدرة والفعل كما برزت تفرقتهم بين الكلام والمخاطب، فالقدرة الإلهية مطلقة ولا حدود لها، بحكم أنها صفة الذات الأزلية القديمة، ولكن المقدورات قد لا تقع"ليس كل مقدور محتم الوقوع"لأن العالم متناهي والمقدورات متناهية، وهو ما يعني أن القدرة الإلهية لا تتطابق مع الأفعال بأي معنى من المعاني [3] .""الأفعال إذن تتعلق بالعالم الممكن، وإن كان مصدرها وجذر فاعليتها كامنًا في القدرة المطلقة، وهي من حيث التعلق بالممكن التاريخي تظل محايثة للتاريخ"" [4] .
""وإيجاد العالم وإخراجه من ظلمة العدم إلى نور الوجود هو أول الأفعال الإلهية، وافتتاح للتاريخ، لأنه الفعل الذي افتتح مفهوم الزمن. خلق العالم إذن يعد واقعة تاريخية في ذاته، أي من حيث كونه حدثًا غير مسبوق إلا في العلم الإلهي على هيئة مشروع لا ندري كنهه، لذلك نقول جميعًا إن العالم مُحدَث، ولا خلاف حول مسألة حدوثه التي لا تعني شيئًا سوى زمانيته وتاريخيته"" [5] .
(1) الغزالي"المنخول من تعليقات الأصول"ص 98.
(2) الجويني"الإرشاد ص 108 - تحقيق أسعد تميمي - بيروت - مؤسسة الكتب الثقافية ط 1/ 1985 وانظر: هراوة"البعد الزماني"ص 29، 30."
(3) انظر: نصر حامد"النص السلطة الحقيقة"ص 70.
(4) السابق: ص 71.
(5) السابق نفسه.