الصفحة 6 من 27

الفلسفي إلى غايته والتي ربما غابت عن المعتزلة - نصل إلى أن الخطاب الإلهي خطاب تاريخي، وبما هو تاريخي فإن معناه لا يتحقق إلا من خلال التأويل الإنساني. إنه لا يتضمن معنى مفارقًا جوهريًا ثابتًا له إطلاقية المطلق، وقداسة الإله. على العكس من ذلك يفضي مفهوم"قدم الكلام الإلهي وأزليته"إلى تثبيت المعنى الديني بما هو معنى مفارق أزلي قديم قدم الذات الإلهية"" [1] . وبذلك يكون القول بحدوث القرآن""مسألة ذات أهمية قصوى في طريق فتح باب التأويل والاجتهاد على أساس لاهوتي وفلسفي في آن واحد"" [2] ، إذ تؤدي إلى ربط النص بالواقع وتفسيره بخصوص أسبابه وليس بعموم ألفاظه [3] ، وهو ما يعني في نهاية الأمر"تاريخية النصوص"التي يؤكد عليها الخطاب العلماني دائمًا [4] .

ولكن كيف يُنتج القول بخلق القرآن هذه النتيجة كما يتصور الخطاب العلماني؟

إن القرآن بما أنه كلام الله، والكلام صفة فعل وليس صفة ذات عند المعتزلة [5] ، والفارق بين الأمرين أن صفات الذات تمثل منطقة التفرد والخصوصية للوجود الإلهي في ذاته، أي بصرف النظر عن العالم، أي قبل وجود العالم وقبل خلقه، بينما صفات الأفعال فتمثل مجال المنطقة المشتركة بين الله سبحانه وتعالى والعالم، وإلى هذا المجال تنتمي صفة الكلام التي تستلزم وجود المخاطَب الذي يتوجه إليه المتكلم بالكلام، ولو وصفنا الله سبحانه وتعالى بأنه متكلم منذ الأزل أي أن كلامه قديم، لكان معنى ذلك أنه كان يتكلم دون وجود مخاطَب، لأن العالم كان ما يزال في العدم وهذا ينافي الحكمة الإلهية، أما صفات الذات فهي تلك التي لا تحتاج لوجود العالم كالعلم والقدرة والحياة فالله كما يقول المعتزلة عالم لنفسه قادر لذاته حي لذاته [6] .

ويقال هنا ولكن العلم أيضًا يحتاج إلى معلوم، والقدرة تحتاج إلى مقدور، مثلهما مثل الكلام الذي يحتاج إلى مخاطَب، والحل الأشعري في الكلام النفسي يبغي التخلص من هذا المأزق الكلامي الذي وقع فيه المعتزلة، فالكلام والعلم والقدرة صفات قائمة بذات الله عز وجل

(1) نصر حامد أبو زيد"النص، السلطة، الحقيقة"ص 33.

(2) السابق ص 31.

(3) انظر: العشماوي"العقل في الإسلام"ص 66، 69 وطيب تيزيني"النص القرآني"ص 364.

(4) انظر: العشماوي"العقل في الإسلام"ص 68، 69.

(5) انظر: القاضي عبد الجبار"رسائل العدل والتوحيد"ص 193 تحقيق د. محمد عمارة - مطابع الهلال 1971 م و"المغني"7/ 3، 15 0

(6) انظر: القاضي عبد الجبار"رسائل العدل والتوحيد"ص 182. وانظر: د. نصر حامد أبو زيد"النص السلطة الحقيقة"ص 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت