الصفحة 5 من 27

القرآن إلا مبالغة في تقديس الباري عز وجل وتنزيهه، ومن ثم تقديس كلامه وأمره، ولم تكن لديهم علاقة بين القول بخلق القرآن وانخفاض نسبة القداسة المحفوظة للقرآن الكريم [1] .

وأما أن الأزلية أدت إلى تعميق دلالة النص وتعديد مستوياتها فهو أمر في غاية الغرابة، إذ إن هذا ما يريده الخطاب العلماني ويسعى إليه: أن تكون دلالة النص كثيرة التعدد، متنوعة المستويات، لا نهائية، وهو يحارب التفسير الأحادي والحرفي ويعتبر ذلك موتًا للقرآن [2] . فما باله هنا يحارب القول بالأزلية"للنص"لأنها تؤدي إلى تعميق الدلالة وتعدد مستوياتها، ثم الأشد غرابة أنه يعتبر أن ربط هذه الدلالات المتعددة بمصدرها الإلهي يجعلها مغلقة ومستحيلة الفهم [3] . وكأن المسلمين عبر تاريخهم لم يفهموا كتاب الله عز وجل ولم يعملوا به، ولا يزالون كذلك مع أنهم يعتقدون أنه كلام الله، وأن قائله إله أزلي أبدي.

ولكن الخطاب المذكور يقول في مكان آخر:""بأن قدم القرآن وأزلية الوحي يُجمِّد النصوص الدينية، ويُثبِّت المعنى الديني"" [4] ""ويؤدي إلى فصل القرآن عن الواقع، وفصمه عن التاريخ"" [5] .أما حدوث القرآن وتاريخية الوحي فهو""الذي يعيد للنصوص حيويتها، ويطلق المعنى الديني بالفهم والتأويل من سجن اللحظة التاريخية إلى آفاق الالتحام بهموم الجماعة البشرية في حركتها التاريخية"" [6] .

إنه الهاجس الأساسي الذي يجب أن تتوجه إليه كل التوظيفات وهو التاريخية ومسألة خلق القرآن كما طرحها المعتزلة، والتي تعني في التحليل الفلسفي أن الوحي واقعة تاريخية ترتبط أساسًا بالبعد الإنساني من ثنائية الله والإنسان، أو المطلق والمحدود""الوحي في هذا الفهم تحقيق لمصالح الإنسان على الأرض، لأنه خطاب للإنسان بلغته، وإذا مضينا في التحليل

(1) سئلت أخت عمرو بن عبيد وكانت زوجة واصل بن عطاء عن عمل واصل فقالت: كان واصل إذا جن ليله صف قدميه يصلي ولوح ودواة موضوعان فإذا مرت به آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها ثم عاد يصلي. انظر: طبقات المعتزلة لابن المرتضى ص 32. وسئل ابن السمّاك عن عمرو بن عبيد فقال: كان عمرو إذا رأيته مقبلًا توهمته جاء من دفن والديه وإذا رأيته جالسًا توهمته أجلس للقود وإذا رأيته متكلمًا توهمت أن الجنة والنار لم تخلقا إلا له. وقال عنه الجاحظ بأنه كان يحيي الليل بركعة واحدة ويرجع آية واحدة. انظر: طبقات المعتزلة لابن المرتضى ص 36.

(2) انظر: نصر حامد أبو زيد"الخطاب والتأويل"ص 264 حيث يقول بأن النص القرآني كغيره من النصوص البشرية معرض لأن يموت إذا لم يجد قراءً.

(3) انظر:"مفهوم النص"ص 49.

(4) نصر حامد"نقد الخطاب الديني"ص 202.

(5) العشماوي"تحديث الإسلام"نقلًا عن طيب تيزيني"النص القرآني"ص 364.

(6) انظر: نصر حامد أبو زيد"نقد الخطاب الديني"ص 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت