الصفحة 6 من 16

تتحدث كتب علم أصول الفقه في مباحث الاجتهاد عن شروط المجتهد [1] الذي تتكامل لديه أدوات استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، فتتفق على أن من شروط المجتهد العلم بالقرآن الكريم، ثم تعرض الخلاف بين أهل العلم في القدر الذي يتحقق به الشرط، بين اشتراط الإمام الشافعي حفظ القرآن كله، والاكتفاء عند أكثر الأصوليين بمعرفة آيات الأحكام من القرآن فقط وهي نحو خمسمائة آية.

ولعلها من المفارقة في تقديري أن نجتهد في تحديد القدر من القرآن الذي لا يتحقق الاجتهاد دونه، ولو كان الاجتهاد في فروع فقهية وأحكام جزئية، ثم نقابل ذلك بالغفلة عن أهمية العلم بالقرآن في حق المشتغل بالتربية أو الدعوة، رغم أن بحثهما يتجاوز الأحكام الجزئية إلى القضايا الكبرى والتصورات الكلية، عن موقف الإسلام والقرآن من النفس، ومن الاجتماع، وفي الاقتصاد والسياسة، وموقف الأمة المسلمة من محيطها الدولي.

هناك إشارتان من الإنصاف في هذا السياق التعريف بهما:

الأولى: إلحاح الشيخ الغزالي على الدعاة في كتاباته الكثيرة بضرورة تقديم فقه الكتاب أولًا [2] ، لأن القرآن الكريم إطار ضابط إذا تفرقت السبل.

الثانية: استحسان الدكتور القرضاوي للداعية أن يحفظ القرآن كله ويستظهره متى تيسرت له أسباب ذلك [3] ، دون أن يكون ذلك إيجابًا وإلزامًا.

وإن كان جهد الرجلين في حقل الثقافة الإسلامية المعاصرة مشكورًا إلا أن القياس على الفقيه يستوجب أن لا يقل زاد المشتغل بالدعوة من القرآن الكريم عما تتحقق به ملكة الدعوة، فالقرآن ألزم الدعاة بمنهج الدعوة المعبر عنه في قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [4] ، أما مضمون الدعوة الذي هو"سبيل ربك"فهو الذي فصله القرآن في مواضع كثيرة، نحو قوله تعالى:

{وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه} [5] ،

(1) - انظر: أصول الفقه، محمد أبو زهرة: ص 332 - دار الفكر العربي، القاهرة، 1417/ 1997.

(2) - انظر كتابه: السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث: ص 125 وما بعدها.

(3) - ثقافة الداعية: ص 80.

(4) - سورة النحل، الآية 125.

(5) - سورة الأنعام، 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت