أما المستشرق جوزف فنسنك wensinck فهو يجعل بعض خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الديات [1] - ليست في العبادات- نموذجًا لخطب أمراء العرب الأولين في رعاياهم، فيقول: (ويتعذر القول بأن لها صلة بالخطبة الدينية) [2] . وهذه الرؤية ليست سوى انعكاسًا لصراع المسيحية الكنسية مع السياسة، الذي انتهى إلى فصل الدين عن السياسة.
ج - كل خطاب يهدف إلى تحقيق مقاصد خطاب الوحي:
إذا كان الوحي المقصود عندنا هو وحي القرآن والسنة فالخطاب الديني هو كل خطاب يهدف إلى تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية الكلية والجزئية، العامة والخاصة، سواء قيل في مناسبة دينية كالصلاة والحج أو في مناسبة مدنية توجيهًا أو تعليمًا، فهذا الخطاب المستلهم من نصوص الوحي - القرآن والسنة - المعرف بهما، الذي يحمل المخاطبين على هديهما ومقاصدهما هو الخطاب الإسلامي الذي وردت به السنة، وجرى عليه عمل المتقدمين، فهذه هي هوية الخطاب الإسلامي التي يحث الغزالي على التزامها بقوله: (القرآن كتاب طواف في الكون، وصاف لآفاقه متغلغل في شؤون الحياة يتناولها بالسرد والحكم، يستحيل أن يفرط في قضية تعني الناس من معاشهم أو معادهم، إن لم يتناول الجزئيات كلها بالفتوى الحاسمة فإن أسلوبه في خلق الضمير الزاكي والفكر الراقي يغني ويكفي ويهدي للتي هي أقوم، والخطابة الإسلامية حقًا هي التي تأخذ من القرآن وتسير معه) [3] .
واستعمال مصطلح الخطاب الديني أو الإسلامي بالمعنى الأخير هو المعتمد في بحثنا هذا.
(1) - يريد ما أخرجه أبو داوود في كتاب الديات باب العامل يصاب على يديه خطأ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا جهم بن حذيفة مصدَّقًا فلاجه رجل في صدقته فضربه أبو جهم فشجه فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: القود يارسول الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لكم كذا وكذا. فلم يرضوا. فقال: لكم كذا وكذا. فلم يرضوا. فقال: لكم كذا وكذا. فرضوا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم، فقالوا: نعم. فخطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الليثيين أتزني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ قالوا: لا. فهم المهاجرون بهم فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكفوا، ثم دعاهم فزادهم، فقال: أرضيتم؟ فقالوا: نعم. فقال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم. قالوا: نعم، فخطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم.
(2) - دائرة المعارف الإسلامية، مادة: الخطبة: 15/ 4693 - 4694.
(3) - مع الله، محمد الغزالي: ص 296 - 297. - دار القلم، دمشق، ط 4، 1421 هـ/2000 م.