فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس بن الشّماس: قم فأجب الرجل في خطبته، فقام فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه ولم يك شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا و اصطفى من خير خلقه رسولًا، أكرمه نسبًا وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابه، وأتمنه على خلقه ... ـ ثم ذكر فضل المهاجرين والأنصار.
ثم أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لشاعرهم الزبرقان بن بدر فأنشد ثم دعا حسان بن ثابت فأجاب، فلما فرغ حسان من قوله قال الأقرع بن حابس: وأبي، إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أحلى من أصواتنا.
فلما فرغ القوم أسلموا. وجوزهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحسن جوائزهم) [1] .
وهكذا حين تأثر خطيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشاعره ببديع النظم القرآني أقر لهم الخصوم بأنهم الأخطب والأشعر وإن لم يدركوا سر ذلك. فلا يخالط القرآن كلامًا إلا بان أثره عليه، وأمكن جميع النقاد أن يلحظوا بصمة القرآن وروحه في كتابات الرافعي والعقاد وأشعار شوقي وغيرهم، و في هذا المعنى (تساءل الدكتور زكي مبارك في بعض مقالاته عن السر في بلاغة أسلوب مكرم عبيد وركاكة مقالات سلامة موسى، فوضح له أن السر يكمن في حفظ مكرم عبيد لآيات من قرآن الكريم كان لها أثر في ارتفاع مستواه البلاغي) [2] .
فلا مناص لكل خطيب ولوع بجميل القول راغب في إشباع حاجة المستمع"بالتي هي أحسن"إلا الاستكثار من آيات الذكر، وهذا ما تقرره الدكتورة عائشة بنت الشاطئ في قولها: (إن القرآن الكريم هو مناط الوحدة الذوقية والوجدانية لمختلف الشعوب التي اتخذت العربية لسانًا لها، ومهما تعددت لهجاتها المحلية وتختلف أمزجتها وتتباين أساليبها الخاصة في الفن القولي يبق القرآن الكريم في نقاء أصالته، كتابها القيم الذي تلتقي عنده هذه الشعوب) [3] .
(1) - السيرة النبوية، ابن هشام: 4/ 130 و ما بعدها - دار صادر، بيروت، ط 1، 1424 هـ/ 2003 م ..
(2) - لقاء الجماهير، د. أكرم رضا: ص 60، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
(3) - التفسير البياني للقرآن الكريم، د. عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، الجزء الأول: ص 15 - دار المعارف، القاهرة، ط 5، 1977.