شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض - حديث 453-455


الحلقة مفرغة

بسم الله الرحمن الرحيم.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

ثم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذه ليلة الإثنين السابع من شهر ربيع الأول من سنة (1425هـ)، ورقم هذا الدرس في شرح بلوغ المرام حسب ما عندي: (164).

إذاً: هذا هو المجلس (164) في شرح بلوغ المرام، وكما اتفقنا في الأسبوع الماضي فسوف يكون هذا الدرس في باب صلاة المسافر والمريض، وأعتقد أننا في الأسبوع الماضي تداولنا معكم حول موضوع معين، وأخذنا مجموعة من إفاداتكم حول قضية تتعلق بالسفر، فما هي؟

هي قضية تتعلق بآداب السفر، وذكرت أن النووي ذكر في المجموع منها ما يزيد على (40) أدباً، وسمعنا منكم الخير الكثير الطيب المبارك في هذا الموضوع.

أما في هذه الليلة فسوف ندخل إلى أحاديث هذا الباب، والتي منها الحديث الأول الذي ذكره المصنف رحمه الله، وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر )، والحديث متفق عليه كما ذكر المصنف.

وذكر المصنف أيضاً للبخاري رواية لهذا الحديث بلفظ: ( ثم هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ففرضت أربعاً وأقرت صلاة السفر على الأول ).

وذكر أيضاً رواية الإمام أحمد في مسنده، قال: زاد أحمد : ( إلا المغرب فإنها وتر النهار، وإلا الصبح فإنه يطوَّل فيها القراءة ).

نبقى مع اللفظ الأول من ألفاظ المصنف رحمه الله: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين).

تخريج الحديث

وهذا اللفظ متفق عليه، فقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه، منها كتاب الصلاة، باب ما جاء في تقصير الصلاة وفي كم يَقصُر؟ وأيضاً في الكتاب نفسه في باب آخر باب كيف فُرضت الصلاة ليلة الإسراء؟

إذاً: البخاري رحمه الله بوَّب لهذا الحديث بابين:

الأول: في قضية قصر الصلاة.

والثاني: في موضوع متى فرضت الصلاة، أخذ من لفظ: (فرضت الصلاة) وأن فرضيتها كانت ليلة الإسراء.

كما أن البخاري رحمه الله روى الحديث في موضع ثالث، وهو كتاب الهجرة، باب التاريخ وكيف يكتب التاريخ أو نحو ذلك، فروى الحديث في ثلاثة مواضع، وكأنه أخذ هذا من قول عائشة رضي الله عنها: ( ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعاً ).

أما مسلم فقد روى الحديث أيضاً في صحيحه، باب صلاة المسافرين، وكتاب صلاة المسافرين وقصرها، رواه في مواضع وبألفاظ مختلفة، ورواه أبو داود أيضاً في كتاب الصلاة، باب قصر الصلاة للمسافر، ورواه الدارمي مثله، ورواه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي أيضاً في سننه في قصر الصلاة، إلى غير ذلك.

شواهد الحديث وزياداته

في رواية في البخاري زيادة؛ لأن البخاري رواه من طرق أحدها: عن الزهري عن عروة عن عائشة، وذكر فيه أن الزهري سأل عروة، فقال: (ما بال عائشة كانت تتم الصلاة) مع أن هذه روايتها، فهي تقول: ( فرضت ركعتين )، (فما بالها كانت تتم الصلاة في السفر؟ فقال عروة للزهري : إنها تأولت كما تأول عثمان رضي الله عنه)، يعني: كان إتمامها للصلاة في السفر من باب التأويل، كما تأول عثمان رضي الله عنه، فهذا ما يتعلق بسند الحديث.

طبعاً الرواية الأخرى: وللبخاري : ( ثم هاجر ففرضت أربعاً، وأقرَّت صلاة السفر على الأول )، هذا أيضاً في صحيح البخاري كما ذكرت، لكن فيه شيء من الاختلاف اليسير في لفظه، فهذا اللفظ الذي ساقه المصنف هنا أقرب ما يكون إلى لفظ البيهقي في سننه، وكأنه لفظ البيهقي في سننه تماماً.

أما لفظ البخاري رحمه الله ففيه: ( ففرضت أربعاً وتركت -بدلاً من قوله: وأقرت صلاة السفر قال: وتركت- صلاة السفر على الأولى )، والمعنى واحد على كل حال.

أما الزيادة التي ذكرها المصنف هنا، قال: زاد أحمد : ( إلا المغرب فإنها وتر النهار، وإلا الصبح فإنه تطول فيها القراءة )، فهذه الزيادة كما هو واضح في كلام المصنف أنه انفرد بها الإمام أحمد في مسنده، وعادة العلماء يتوقفون عند هذه الزيادات، الألفاظ الزائدة في الأحاديث المشهورة، والغالب أنها لا تخلو من علة، ويكون فيها نوع من الشذوذ، ولذلك فإن الزيادة هنا، قوله: ( إلا المغرب فإنها وتر النهار )، والتي انفرد بإخراجها الإمام أحمد، هذه الزيادة هي من طريق الشعبي عن عائشة رضي الله عنها، والشعبي وإن كان إماماً حافظاً إلا أن روايته عن عائشة مرسلة، فالحديث منقطع إذاً، فهذا الحديث منقطع؛ لأنه من رواية الشعبي عن عائشة فلا يصح.

لكن رواه ابن خزيمة والبيهقي في صحيحيهما، وذكروه من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة، فكأنهم بينوا الشخص الساقط بين الشعبي وبين عائشة وأنه مسروق، فعلى هذا تكون رواية ابن خزيمة والبيهقي فيها الشعبي عن مسروق عن عائشة، وابن خزيمة رحمه الله مع تسامحه في تصحيح الأحاديث إلا أنه هنا قال عن هذه الزيادة: إنه غريب، والغرابة قلنا لكم أكثر من مرة: أن الغالب أن الغرائب يغلب عليها الضعف.

ولذلك هذا الإسناد فيه رجل اسمه محبوب بن الحسن وفيه ضعف، وقد تابعه وقوَّاه رجل آخر اسمه مرجى بن رجاء عند الإمام الطحاوي، لكن مرجى بن رجاء هذا أيضاً مختلف فيه ما بين مضعف وموثق، وبناءً على ذلك هناك من اعتبر الحديث صحيحاً؛ لأنه جاء من طريقين: من طريق محبوب ومن طريق مرجى .

والذي نفضله أن هذا اللفظ يظل ضعيفاً أو أقرب إلى أن يكون فيه نوع من الشذوذ؛ لأن هذا اللفظ زائد، يعني: رواية الأكابر عن عروة عن عائشة ليس فيها إشارة إلى قضية المغرب وقضية الفجر، فهذه مما انفرد بها؟ رواة، والراوي حتى لو كان لا بأس به فإنه لا يحتمل تفرده إذا روى عن الثقات وزاد بالألفاظ ما لم يروه الأئمة الأكابر، فهذا كما قلت يغلب عليه أن يكون فيه نوع من الشذوذ.

ولذلك نحن نرجح أن رواية: ( إلا المغرب فإنها وتر النهار، وإلا الفجر فإنه يطول فيها بالقراءة )، أن هذه الرواية فيها شذوذ، وأن يبقى الحديث على أصله كما رواه الشيخان وغيرهما مقصوراً فيه على قضية صلاة السفر وصلاة الحضر، هذا ما يتعلق بجانب عزو الحديث وتخريجه.

نعم، إذا كان الطريق ضعيفاً وأيضاً فيه زيادة فهذا قد يكون فيه نوع من النكارة، لكن الآن عندنا طريقان، يعني: ليسا شديدي الضعف.

معاني ألفاظ الحديث

الفقرة الثانية ما يتعلق بألفاظ الحديث:

قولها رضي الله عنها: ( أول ما فرضت الصلاة ركعتين ) متى فرضت الصلاة؟

ليلة الإسراء والمعراج، طيب قبل الإسراء والمعراج هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي؟

نعم، ذكر الإمام إبراهيم الحربي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي، وهكذا أهل السير كما ذكره ابن إسحاق في السيرة، كان يصلي عليه الصلاة والسلام قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أو في المساء وفي الصباح ركعتين ركعتين، وأن هذه كانت صلاة الأنبياء، هذه رواية، وهذا قريب، ومما يعزز هذا المعنى ما في تفسير سورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، فإن الله سبحانه وتعالى قال: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى [العلق:9-10]، إذاً: هو كان يصلي عليه الصلاة والسلام، بل حتى قبل البعثة ربما كان يتعبد ويتحنث ويصلي بحسب ما وصله وبلغه من العلم في ذلك الوقت.

فالمقصود إذاً: أن أصل الصلاة عند النبي صلى الله عليه وسلم كانت ركعتين قبل طلوع الشمس وقبل غروبها كما ذكره إبراهيم الحربي، وهذا لا يبعد أن يكون متقدماً على الإسراء والمعراج، لكن هذا لا يلزم منه أن تكون مفروضة، بينما هنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( أول ما فرضت )، وهنا الفرضية على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته.

وأيضاً: في سورة المزمل جاء الأمر بالصلاة وقيام الليل، وأوجب على النبي صلى الله عليه وسلم سَنَةً، أوجب عليه وعلى أصحابه، ثم أصبح نافلة، وقال بعضهم: إنه ظل مفروضاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى آخر عمره.

والمقصود -والله أعلم- بهذا الحديث كما ذكره جمهور الشراح، أن المقصود هنا أول ما فرضت الصلاة ليلة الإسراء والمعراج، فإنها فُرِضت على النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين، يعني: أن يصلي الظهر ركعتين ويصلي العصر ركعتين والعشاء ركعتين، وإلى آخره.

قولها رضي الله عنها: (فرضت) ما معنى الفرض؟

الفرض هو الإلزام، هو الإيجاب، هذا صحيح، طبعاً الفرض له معان عدة، منها: القطع والحز، كما هو معروف، ومنها: الإيجاب والإلزام.

طيب!! هل هناك فرق بين الفرض وبين الواجب؟

جمهور الأصوليين والفقهاء لا يفرقون بينهما، فيرون الفرض والواجب بمعنى واحد، لكن الأحناف لهم اختيار خاص في هذه المسألة، وهو أنهم يفرقون بين الفرض وبين الواجب، فالفرض عندهم هو ما كان بدليل قطعي كالقرآن مثلاً، ما أوجب بالقرآن فهو فرض، وأما ما أوجب بدليل غير قطعي فهو عندهم واجب من غير أن يسمى فرضاً، والجمهور لا يفرقون بين الفرض وبين الواجب.

وعلى كل حال فإنه مما ينبغي أن يُعلم أن النصوص والألفاظ الشرعية لا تُحمل على الاصطلاحات الفقهية المتأخرة، فنحن هنا نقول: فرضت أو أوجبت معناها واحد في حديث عائشة رضي الله عنها.

قالت: ( فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر )، فأقرت صلاة السفر على ركعتين، واستمرت على ما هي عليه إلى آخر الإسلام، وأُتمت صلاة الحضر، يعني: أنه زيد فيها ركعتان ركعتان أيضاً فأصبحت أربعاً، والمقصود بصلاة الحضر: صلاة المقيم، وصلاة السفر: صلاة المسافر.

الرواية الأخرى: قالت رضي الله عنها: ( ثم هاجر )، تعني: النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ( ففرضت أربعاً ) وهذا معنى قولها: (زيد في صلاة الحضر)، يعني: أصبحت الصلاة أربعاً، وأقرت صلاة السفر على الأول.

وهذا فيه شيء من الإشكال؛ لأن عائشة رضي الله عنها هل شهدت فرض الصلاة؟ هل كانت في بيت النبوة آنذاك؟ لم تكن، وكانت صغيرة السن، ومن هنا استشكل بعضهم هذا الحديث، وقالوا: إن معناه: أن صلاة السفر من الأصل كانت ركعتين، بينما الأدلة الأخرى تدل على أنها كانت أربعاً ثم قصرت، ومن هنا جاء على هذا الحديث عدد من الإشكالات:

فالإشكال الأول على هذا الحديث كما قلت: أن عائشة رضي الله عنها لم تكن موجودة في بيت النبوة، ونقول: إن هذا مما لا يقال بالرأي، ولا بد أن عائشة رضي الله عنها أخذت فيه توقيفاً من النبي عليه الصلاة والسلام، وقد تكون سألته عن ذلك أو سمعت ذلك منه.

الإشكال الثاني على قولها رضي الله عنها: ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه وهو في صحيح مسلم أيضاً، قال: ( فرضت صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم )، وسوف يأتي ما يتعلق بصلاة الخوف، لكن المقصود الآن أن ابن عباس رضي الله عنه جاءنا بكلام مختلف عن كلام عائشة؛ لأن عائشة تقول: أصل الصلاة ركعتان، بينما ابن عباس جاء بتأصيل آخر، أن صلاة السفر من الأصل هي ركعتان وصلاة الحضر من الأصل أربع، وصلاة الخوف ركعة، فكيف نوفق بين كلام ابن عباس وهو في صحيح مسلم وبين كلام عائشة؟

نقول أيضاً: ابن عباس رضي الله عنه هو الآخر لم يشهد هذا الأمر، ولكنه نسبه ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أيضاً في حكم المرفوع.

ويمكن أن يوفق بين حديث ابن عباس، وحديث عائشة رضي الله عنها:

فيمكن أن يقال: إن قول عائشة رضي الله عنها: ( أقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر ) لا يلزم منه أن يكون معنى الإقرار هو أنها استمرت هكذا ركعتين، فلا يمنع أن تكون الصلاة زيدت في أول الهجرة أربعاً ثم نزلت رخصة القصر، وهذا هو الاختيار الجيد الذي أرى أنه تجتمع به الأدلة، وتنحل به الإشكالات.

أن نقول: إنه بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، قيل: بعد شهرين، وقيل: بعد سنة، وقيل: بعد سنتين، وقيل: بعد أربع سنوات، أن أول ما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصبحت الصلاة أربعاً بدلاً مما كانت ركعتين، ثم نزلت بعد ذلك الرخصة بالقصر للمسافر، وهذا نستفيد منه أيضاً في الإشكال الثالث على حديث عائشة رضي الله عنها، وهو إشكال في نظري مهم؛ لأن عندنا في القرآن الكريم يقول الله عز وجل: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101]، هذه الآية في سورة النساء، أليست السورة مدنية والآية مدنية بالاتفاق؟ بلى. بل هي ليست في أول الهجرة، نزلت متراخية عن أول الهجرة.

وهذه الآية ما الحكم الذي فيها؟ هو القصر.. طيب قبل نزول الآية كان الصحابة رضي الله عنهم لا يقصرون، أليس كذلك؟ وهذه الآية هي الدليل على القصر وهي الإذن فيه، حتى أن يعلى بن أمية سأل عمر رضي الله عنه كما في صحيح مسلم وقال له: ( يا أمير المؤمنين! أرأيت قول الله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101]، فكيف وقد أمن الناس )، كيف نقصر وقد أمن الناس؟ الآية فيها قيد بالخوف، أن القصر لا يكون إلا للسفر والخوف، وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [النساء:101]، يعني: مسافرين، وأيضاً: أن تكونوا خائفين، فيقول يعلى لـعمر : فكيف وقد أمن الناس، كيف نقصر؟ فقال له عمر رضي الله عنه: ( عجبت مما عجبت منه يا يعلى

، فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ).

إذاً: هذه الآية صريحة، وكذلك الحديث في أن القصر حكم استأنف بعد الهجرة.

فعلى هذا نقول: إن عائشة رضي الله عنها يحمل حديثها على أن أول فرض الصلاة ركعتين، ثم زيد في الصلاة أربعاً، ثم نزلت رخصة السفر بعد ذلك، وإن كان حديث عائشة فيه شيء من الاختصار، وبذلك يجتمع حديث عائشة أيضاً مع حديث ابن عباس كما ذكرناه.

الإشكال الرابع على حديث عائشة : أنها كانت تتم رضي الله عنها في السفر، وإتمامها ثابت في البخاري من حيث الفعل، أنها كانت تتم الصلاة وسألها عروة قال: لماذا تتمين الصلاة؟ هذا في البخاري، قالت: يا ابن أخي! إنه لا يشق عليَّ، وهنا عروة قال: إنها تأولت كما تأول عثمان، وهذا فيه مبحث لطيف أن الأصوليين يبحثون أحياناً إذا الصحابي روى شيئاً وخالف هذه الرواية أيهما الذي يؤخذ به: هل يؤخذ بروايته أم يؤخذ برأيه؟

يؤخذ بما روى عند جمهور العلماء، أما الأحناف فيختلفون، يقولون: يؤخذ بما رأى لا بما روى، فيفترض أن الأحناف في هذه المسألة مثلاً يأخذون بالإتمام؛ لأنه هو الذي كانت تفعله عائشة وليس بروايتها، لكن الواقع أنهم أشد العلماء في القصر، حتى أنهم يرون أن القصر واجب كما سوف أبينه بعد قليل، وهذا له تأويل؛ لأنهم يرون أن فعلها ليس تأويلاً للحديث يعني: ليس رداً للحديث وإنما هو تأويل، يعني: كأن لها رأياً مثلما لـعثمان رأي في المسألة.

ولا شك أن الأقرب والأولى إذا اختلف رأي الصحابي وروايته -يعني: حديثه- عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن تؤخذ روايته ولا يؤخذ رأيه؛ لأن العبرة بما يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس بما يراه هو أو يقوله هو من قبل نفسه.

فيه أيضاً لفظ آخر في قوله: ( إلا المغرب فإنها وتر النهار )، هذا اللفظ دليل على أن المغرب توتر صلوات النهار، ولذلك يشرع للإنسان أن يوتر بالليل، وأما المغرب فهي وتر النهار، طيب المغرب في أي وقت تقع، هل هي في النهار أم في الليل؟

بعد غروب الشمس، إذاً: المغرب تقع في الليل، طيب كيف تكون المغرب وتر النهار مع أنها تصلى في الليل؟ وبالمناسبة وإن كان الحديث هذا فيه ضعف، فهناك حديث آخر عند أبي داود وغيره عن ابن عمر وفيه ضعف أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المغرب وتر النهار فأوتروا من الليل ) أو نحو ذلك .

والذي أجاب به العلماء كـابن حجر وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّاها وتر النهار لمجاورتها وقربها من صلوات النهار، هذا على فرض صحة الحديث.

قال: ( وإلا الصبح فإنها تطوَّل فيها القراءة ) يعني: فاكتفي فيها بركعتين وعُوِّضت بطول القراءة، وظلَّت كما هي في الحضر والسفر.

طيب!! هذا ما يتعلق بألفاظ الحديث.

مشروعية قصر الصلاة في السفر وأقوال العلماء في حكمه

ننتقل إلى الفقرة الثالثة وهي: المسائل الفقهية في حديث الباب ورواياته:

المسألة الأساسية عندنا في هذا الحديث هي قصر الصلاة، والعلماء في الجملة متفقون على مشروعية قصر الصلاة، وهكذا يسوقون البحث، فيقولون: إن قصر الصلاة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فسورة النساء التي تلوتها قبل قليل: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101].

وأما السنة فالأحاديث الكثيرة بل المتواترة على القصر في السفر منها:

قصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصلاة في حجة الوداع، هذا دليل، وأيضاً: قصر الصلاة في تبوك، بل في كل أسفاره، فلم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم في سفر قط.

أيضاً من الأحاديث حديث الباب، حديث عائشة، وحديث يعلى بن أمية عن عمر الذي ذكرناه قبل قليل: ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ).

حديث أنس في مسلم : ( كان إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة )، أحاديث كثيرة جداً.

أما الإجماع فقد نقل ابن المنذر وابن قدامة وغير واحد إجماع العلماء على مشروعية قصر الصلاة في السفر، وإن اختلفوا في شروط القصر وما يتعلق به.

لكنهم مع ذلك اختلفوا في منزلة القصر، بعد الاتفاق على أنه جائز أو ثابت، اختلفوا بعد ذلك في منزلته وقدر الوجوب، على أقوال، نرى أن الأفضل تقسيمها إلى ثلاثة أقوال، ومنهم من قسمَّها إلى قولين، ومنهم من قسمها إلى أربعة، ونحن نختار أن نقول: الأقوال في المسألة ثلاثة.

القول الأول: وجوب قصر الصلاة في السفر

القول الأول: أن قصر الصلاة في السفر واجب، ولا يجوز للمسافر أن يتم الصلاة، حتى قال بعضهم: الإتمام في السفر مثل القصر في الحضر، وهذا القول نسبه البغوي لأكثر العلماء، وهو قول جماعة من الصحابة كـعمر رضي الله عنه، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود.

وتعرفون كلام ابن عباس قبل قليل، ماذا قال ابن عباس؟

( صلاة الحضر أربع، وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الخوف ركعة )، وكذلك ابن مسعود رضي الله عنه، وحديثه في البخاري لما أتم عثمان الصلاة قال ابن مسعود : ( صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين في السفر، وصليت مع أبي بكر ركعتين، وصليت مع عمر ركعتين، ثم قال: فليت نصيبي من أربع ركعتان متقبلتان )، وكأنه كان ينكر على عثمان رضي الله عنه إتمام الصلاة في حجة عثمان رضي الله عنه.

فالمقصود: أن هذا كان رأي ابن مسعود، ولما صلى ورأى عثمان وقيل له في ذلك، قال: [ الخلاف شر ]، فهذا قول جماعة من الصحابة.

وأيضاً: جمع من التابعين والأئمة نقل عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري، وهو قول أبي حنيفة وأهل الكوفة جميعاً يرون وجوب القصر، وهو قول الظاهرية أيضاً، يرون وجوب قصر الصلاة.

واختاره ابن تيمية رحمة الله عليه، هذا هو القول الأول: أن قصر الصلاة للمسافر واجب.

طيب نسرد الأدلة وعلى عجل حتى نستطيع أن نلحق الباقي.

أولاً: حديث الباب، هذا من أقوى أدلتهم؛ لأنهم قالوا: إن صلاة السفر ركعتان من الأصل، فمن صلَّى أربعاً فهو كمن صلى صلاة الفجر أربعاً، فهذا من أقوى أدلتهم على أن القصر في السفر واجب، ووجه الدلالة من الحديث واضح؛ لأنها اعتبرت أن صلاة السفر ركعتان.

الدليل الثاني: قصر النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره، فإنه لم يثبت كما قاله جمع من المحققين كـابن تيمية وابن القيم وغيرهما، أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتمَّ الصلاة في سفرٍ قط، هذا دليل.

الثالث: حديث ابن عباس الذي قال: ( صلاة السفر ركعتان )، الذي ذكرناه قبل قليل، ( الحضر أربع، والسفر ركعتان، والخوف ركعة )، وهذا الحديث رواه مسلم.

الرابع: فعل ابن عمر رضي الله عنه، ولا بأس أن نقول: في صحيح البخاري أن ابن عمر سافر وكان معه ناس، فصلَّى ركعتين، ثم لمَّا جلس حانت منه التفاتة إلى حيث صلَّى، فوجد قوماً يسبحون، يعني: يتنفلون، يصلون مثلاً نافلة، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يسبِّحون، يعني: يتنفلون، قال رضي الله عنه: لو كنت مسبِّحاً لأتممت صلاتي، ثم قال: ( صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وصحبت أبا بكر وصحبت عمر، فلم يكن أحد منهم يزيد على ركعتين )، فهذا دليل على أنهم لم يكونوا يزيدون على ركعتين.

الدليل الخامس: حديث عند النسائي وسنده صحيح أن عمر رضي الله عنه قال: ( صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة النحر -يعني: عيد الأضحى- ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فهنا عمر نص على أن هذه الصلوات ركعتان ركعتان وأنها تمام غير قصر، يعني: غير مقصورة، هذا ظاهر الكلام، ويَحتَمِل في قول عمر رضي الله عنه: ( تمام غير قصر ) معنى آخر خصوصاً فيما يتعلق بصلاة السفر.

وهو أن المقصود أن أجرها كامل، يعني: ليس مثلاً أنه إذا صلى ركعتين أخذ نصف أجر الصلاة، بل يأخذ أجرها كاملاً غير منقوص، وهذا صحيح لا إشكال فيه.

الدليل السادس منها، وهو قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101]، كيف تدل هذه الآية على وجوب القصر في السفر؟ كيف تدل الآية مع أنه لم يقل فيها إلا: فَلَيْ

وهذا اللفظ متفق عليه، فقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه، منها كتاب الصلاة، باب ما جاء في تقصير الصلاة وفي كم يَقصُر؟ وأيضاً في الكتاب نفسه في باب آخر باب كيف فُرضت الصلاة ليلة الإسراء؟

إذاً: البخاري رحمه الله بوَّب لهذا الحديث بابين:

الأول: في قضية قصر الصلاة.

والثاني: في موضوع متى فرضت الصلاة، أخذ من لفظ: (فرضت الصلاة) وأن فرضيتها كانت ليلة الإسراء.

كما أن البخاري رحمه الله روى الحديث في موضع ثالث، وهو كتاب الهجرة، باب التاريخ وكيف يكتب التاريخ أو نحو ذلك، فروى الحديث في ثلاثة مواضع، وكأنه أخذ هذا من قول عائشة رضي الله عنها: ( ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعاً ).

أما مسلم فقد روى الحديث أيضاً في صحيحه، باب صلاة المسافرين، وكتاب صلاة المسافرين وقصرها، رواه في مواضع وبألفاظ مختلفة، ورواه أبو داود أيضاً في كتاب الصلاة، باب قصر الصلاة للمسافر، ورواه الدارمي مثله، ورواه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي أيضاً في سننه في قصر الصلاة، إلى غير ذلك.


استمع المزيد من الشيخ سلمان العودة - عنوان الحلقة اسٌتمع
شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 38-40 4761 استماع
شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 442 4393 استماع
شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 57-62 4212 استماع
شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 282-285 4094 استماع
شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه - حديث 727-728 4045 استماع
شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع - حديث 405-408 4019 استماع
شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 313-316 3972 استماع
شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 36 3916 استماع
شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المياه - حديث 2-4 3898 استماع
شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه - حديث 734-739 3877 استماع