فقه المعاملات [8]


الحلقة مفرغة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فما يزال الحديث موصولاً في أمهات الربا، وسنتكلم في هذا الدرس إن شاء الله تعالى على بعض القواعد التي هي أغلب ما يرجع إليها الربا في تعامل الناس، وبين يدي الحديث أذكر بأن هذه الشريعة لها قيم هي التي يبنى عليها التحليل والتحريم، ومن هذه القيم قيمة الأخوة بين المؤمنين، فإن الله تعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، ويقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، ولذلك فبعض المؤمنين مسئولون عن بعضهم، فإذا منح الله تعالى مؤمناً نعمةً من النعم، فليس له أن يستأثر بها عن إخوانه؛ لأن حق الأخوة يقتضي منه المشاركة، ولذلك فإن قيمة القرض هي قيمة من القيم الفاضلة، وعقد من العقود التي تحقق الأخوة بين المؤمنين، ولهذا ذكر أهل العلم أن القرض يفضل الصدقة من وجهين:

الوجه الأول: أن القرض لا يسأله إلا محتاج إليه، بخلاف الصدقة فيسألها كثير مما لا يحتاج إليها.

الوجه الثاني: أن القرض أقل منةً من الصدقة، فصاحبه دفع ماله ثم عاد إليه، فنصيبه من المنة أقل من نصيب المتصدق، والقرض مما يبتغى به وجه الله تعالى، ويحقق هذه القيمة في التآخي بين المؤمنين، فلذلك لم يبح الشارع طلب الربح منه، وكان من قواعد الربا الإجماعية بين المسلمين: أن كل سلف جر نفعاً فهو ربا، وهذا اللفظ وهو قاعدة من قواعد الربا جاء فيه حديث، لكن هذا الحديث لم يبلغ درجة الصحة، ولكن الإجماع يقويه، فلم تكن هذه الأمة لتجمع على قاعدة إلا إذا كانت ذات أصل متفق عليه، فلهذا أجمع المسلمون على أن القرض إذا جر نفعاً للمقرض فهو ربا، وذلك أن القرض عقد يأخذ فيه الإنسان فيرده مثلما أخذ، فإذا زاد فتلك الزيادة هي الربا، وإذا عقد على ذلك من البداية فقال: أقرضك مائة ألف على أن ترد إلي مائةً وعشرين ألفاً بعد شهرين، فهذا العقد باطل، فيرد إليه ما أخذ منه وتبطل تلك الزيادة، وكون العقد باطلاً هذا هو مذهب الجمهور، ومذهب الشافعية أن العقد صحيح وأن الربا باطل، فيبطل جانب التحريم من العقد، ويبقى هو على صحته، والفرق بين القولين: أننا إذا قلنا ببطلان العقد لم يعتبر التأجيل، وكان ذلك حالاً الآن فقد أخذ من هذا الشخص مائة ألف فيجب عليه أن يردها الآن، إلا إذا بدأ عقداً جديداً، والمذهب الشافعي: يبقى الأجل كما هو؛ لأن العقد صحيح، وقد بطل منه ما يتعلق بالربا وهو شرط الزيادة، فقد أقرضه مائة ألف إلى شهرين، فيجب عليه أن يستمر على ذلك التأجيل، ولا يطالبه بشيء حتى إذا انتهى الأجل أعاد إليه مثلما أخذ منه، وهذه القاعدة يدخل فيها أن معجل ما في الذمة مسلف، وأن مؤخر ما في الذمة مسلف، فمعجل ما في الذمة إذا كان للإنسان دين على آخر وهو مؤجل بسنة مثلاً، فعجل له هذا الدين عن أجله، فكأنه أسلفه هذا الدين قبل الأجل إلى نهاية الأجل، فيكون حينئذ قاضياً للقرض الذي عليه، فإذا أخذ في مقابل ذلك التعجيل شيئاً كان هذا قرضاً جر نفعاً فيكون رباً، وإذا كان الإنسان يطالب آخر بدين، مثلاً قدره مليون أوقية على أجل ستة أشهر، فقال له: عجل لي ستمائة ألف الآن وأسقط عنك الباقي، فالمدين الذي كان عليه الدين أصبح الآن دائناً؛ لأنه هو الذي أقرض الآخر فعجل له ستمائة ألف، هذه ستمائة ألف لا تعتبر قضاءً للدين بل تعتبر قرضاً حتى يحين وقت الأجل، ولذلك فقد انتفع هو لأنه ربح أربعمائة ألف بسبب التعجيل، فيكون هذا من السلف الذي جر نفعاً فهو ربا، ومثل ذلك مؤخر ما في الذمة، فهذا هو أصل الربا، فربا الجاهلية كان الرجل يقرض الرجل أو يدان منه، فإذا حان الأجل أتاه، فقال: إما أن تربي لي وإما أن تقضي لي، فإذا أربى له معناه زاد له في العدد وأخر له في المدة، فهذا هو ربا الجاهلية الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( كل رباً كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي، وأول رباً أضعه ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب )، فلذلك كان مؤخر ما في الذمة مقرضاً أيضاً؛ لأن التأخير إنما هو استئناف قرض جديد، حتى لو كان العقد في الأصل ليس قرضاً، كما إذا كان الأصل في العقد بيعاً لأجل، باعه هذه الدار مثلاً أو هذه السيارة بمليون إلى أجل شهرين، فلما حان الأجل أتاه، فقال: سأزيدك في الثمن وزدني في المدة، فالعقد في الأصل لم يكن قرضاً، ولكنه استحال إلى قرض جر نفعاً؛ لأن كلامهما الأخير نسخ العقد الأول، فأصبح بينهما عقد جديد، مبناه على أن هذا الإنسان أقرض الآخر هذا المبلغ وهو مليون بالزيادة التي سيزيده بها في مقابل الوقت، فكان ذلك قرضاً جر نفعاً فكان ربا، والقرض الذي جر نفعاً هو أكثر ما يحصل الآن من القروض في العالم، فمعاملات البنوك كلها أو أغلبها من هذا القبيل، ويدخل فيها تعجيل الرواتب مقابل اقتطاع جزء منها، فكثير من الموظفين يحتاجون إلى تعجيل رواتبهم قبل أن تدخل، فهذه الرواتب متعلقة بميزانية تصدرها وزارة المالية، فقبل إصدارها يأتي الموظف إلى البنك الذي له فيه حساب فيقول: عجلوا لي راتبي، فيقولون: سنقتطع منك عشرة بالمائة أو خمسة بالمائة، فهذا النوع هو من القرض الذي جر نفعاً؛ لأنهم أقرضوه هذا الراتب واقتطعوا منه هذا الجزء، فكان ذلك قرضاً جر نفعاً فهو ربا.

التوصل للربا بعرض غير مقصود

وكذلك ما يحتال الناس به من الحيل على هذا القرض، بأن يحول بين المتعاملين عرض لا يقصد لذاته، كما إذا كان إنسان يحتاج إلى مبلغ من النقود، ولا يجد من يقرضه قرضاً لوجه الله تعالى بدون مقابل، فيأتي آخر فيقول: أنا محتاج إلى مبلغ كذا وكذا، فيقول: سأعطيك هذا المبلغ وتربحني عليه نسبة عشرين في المائة أو نسبة ثلاثين في المائة لمدة كذا، ولكني سأدفع إليك إسمنتاً أو حديداً أو بضاعةً من البضائع، فهو لا يريد البضاعة، ولذلك سيبيعها بأقل من ثمنها، فهذا العقد ظاهره أنه بيع إلى أجل؛ لأنه دفع إليه بضاعةً والتزم له مبلغاً مالياً مؤجلاً، لكن الواقع أن هذا الرجل إنما يريد القرض ولا يريد تلك البضاعة، ولهذا يبيعها بأقل من ثمنها، فلهذا كان هذا قرضاً جر نفعاً، والبضاعة التي حالت بين المتعاقدين لغواً، ولذلك قال مالك في مثل هذا التعاقد: انظر إلى اليد السابقة في الدفع، فإن عاد إليها أكثر مما دفعت فامنع. واليد السابقة في الدفع هي يد المقرض، إذا عاد إليها أكثر مما دفعت فاعرف أن هذا ربا.

وكذلك من هذا القبيل أيضاً حيلة الناس في السلم، كأن يقول له: أنا سأدفع إليك النقود الآن ولكن أعطني خمسين طناً من السكر مثلاً إلى أجل ستة أشهر، وهو يعلم أن خمسين طناً من السكر ثمنها الآن أكثر بكثير من المبلغ الذي استلمه، فهذه صورة السلم، في الأصل السلم عقد لا غبار عليه، وهو من العقود الجائزة كما سبق بيانه، لكنه إنما احتال بها على قرض جر نفعاً؛ لأنه في الواقع لا يفكر إلا أنه أخذ ثلاثة ملايين من هذا الشخص، وأنه سيعيد إليه أكثر منها، ولذلك إذا حان الأجل فكان السكر قد ارتفع سعره مثلاً عن أكثر مما كان في ذلك الوقت أو انخفض، يحتاجان حينئذ إلى تعامل من جديد، فيصطلحان على مبلغ معين، وهذا ما لا يمكن في السلم، فالسلم لا يحل فيه التبديل، إذا كان الإنسان قد أسلم إلى آخر في سيارة، فإذا حان الأجل لا بد أن يأخذ منه السيارة، أو أن يتفاسخا، ويرد إليه الثمن، ولا يمكن أن يبدلها فيقول: لا، أنا لم أعد محتاجاً إلى السيارة ويريد بضاعةً أخرى، وهذا لا يمكن أن يتم في السلم.

البطاقات الائتمانية

كذلك من هذا النوع من الحيل أيضاً البطاقات الائتمانية التي يشترط فيها إذا تأخر الإنسان عن الاستدان في وقت محدد أن يزاد عليه مبلغ، سواءً كان نسبةً مئويةً أو كان مبلغاً مقطوعاً، والبطاقات الائتمانية على أنواع، فليست هي كالعقد الواحد، وهي اليوم أصبحت محل ضرورة في كثير من بلدان العالم؛ لأن الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، أو حتى في أوروبا، لا يستطيع قص تذكرة من وكالة سفر إلا ببطاقة ائتمان، ولا يستطيع أن يحمل معه النقود إذا خرج لأية حاجة، وحتى المحلات التجارية كثير منها يشترط أن لا يتعامل بالنقود بل يتعامل ببطاقات الائتمان، فبطاقات الائتمان على مختلف أنواعها فكرتها في الأصل أنها عقد تمويل، فأنا أسدد عنك المبالغ المستحقة إلى مبلغ كذا، مثلاً كل بطاقة ائتمان بحسب ما فيها، إما عشرة آلاف دولار، وإما عشرين ألف دولار مثلاً، فالشركة المصدرة للبطاقة تتحمل السداد إلى أن يصل الدين إلى هذا المبلغ، ولذلك يقتطع عن طريق الكمبيوتر هذا المبلغ من الضمانة الموجودة، ثم يسدد الإنسان في الأجل المحدد وهو ما بين تسعة وعشرين يوماً وواحد وثلاثين يوماً، يسدد المبلغ الذي سدده عنه البنك المصدر لبطاقة الائتمان، فإذا اشترط البنك المصدر لبطاقة الائتمان زيادةً على المدفوع، فهذا عقد ربوي، ومذهب الجمهور بطلانه مطلقاً؛ لأنه فاسد، ويرد إليه رأس ماله، ولا يلزمه رد زيادة، وعند الشافعية أن هذا العقد يبطل منه محل الربا، ويصحح هو، فعلى ذلك يبقى الأجل إذا كان مؤجلاً إلى أجله، لكن لا يجب عليه رد أكثر مما أخذ، ومحل هذا عند عدم الضرورة، أما إذا كان أحدنا مسافراً في بلد، لا يستطيع فيه الوصول إلى ضرورياته أو حاجياته؛ إلا عن طريق بطاقة الائتمان كما هو الحال الآن في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وكثير من البلدان، فلا يستطيع الإنسان شيئاً إلا أن يتعامل مع الشركات المصدرة لبطاقات الائتمان، فإذا وجد فيها شركةً لا تشترط هذا الشرط فذلك أولى، وإن لم يجد إلا الشركات التي تشترط هذه الزيادة عند التأخر، فعليه أن يحرص على عدم التأخر، وأن يسدد في الوقت، حتى لا يكون موكلاً للربا.

قروض السكن والزراعة والمنح الدراسية

كذلك من أنواع القرض الذي فيه زيادة: قروض السكن التي تصدرها بعض البنوك التي تتولى الإسكان في كثير من البلدان، ومثلها القروض الزراعية التي تنتهز الفرصة في المحتاجين، فتجد أن هذا المزارع يحتاج الآن إلى تمويل لإقامة مشروعه، وهو عادم للنقود ويحتاج إلى سيولة، فتدفع إليه سيولةً ثم تأخذها منه بالزيادة المؤجلة، فهذا قرض جر نفعاً وهو ربا، سواءً كان ذلك في السكن، أو في الزراعة، أو في غيرها.

وكذلك ما يشترطه بعض الشركات على الذين تمنحهم للدراسة في بعض التخصصات، فتشترط عليهم زيادة نسبة عشرين في المائة على ما أنفقت عليهم، مثلاً هذه الشركة تبتعث طالباً للدارسة في تخصص محدد، وتنفق عليه مبالغ محددة، مثلاً منحة قدرها مائة وخمسين يورو في الشهر، وتذكرة سنوية ذهاباً وإياباً إلى البلد الذي خرج منه، وتتولى عنه رسوم الدراسة في الجامعة التي يسجل فيها، لكن إذا أراد هو الانسحاب فسيدفع جميع ما صرفت عليه الشركة مضافاً إليه نسبة عشرين بالمائة مثلاً، فهذا النوع قرض ربوي؛ لأنه قرض جر نفعاً فهو ربا.

وكثير من هذه التعاملات تجري دون أن يشعر الإنسان أنها من هذا القبيل من الربا، ولها حلول وبدائل، فالإنسان الذي يريد أن يعامل الناس تعاملاً صحيحاً، لا بد أن يكون واضحاً في الطرح، يبين أنه لا يريد قرضاً، وأنه يريد كذا وكذا، حاجتي هي سيارة، أو حاجتي هي منزل، وهذه السلعة التي أرغب فيها، وأنا أعلم أنها الآن تساوي كذا وكذا، وأنا عاجز عن تسديدها، فأريد أن تشترك معي مثلاً، أو أريد أن تشتريها لي ثم تبيعها علي، هذا كله من الأوجه التي هي حلال وليس فيها ربا، إما الشراكة وإما المرابحة للآمر بالشراء، فالشراكة كأن يكون هذا الإنسان محتاجاً إلى بيت، وليس لديه نقود لتوفير هذا البيت، ولكنه يعلم أن البيت يكلف مثلاً اثني عشر مليوناً، فيأتي فيقول: أنا محتاج إلى بيت يكلف اثني عشر مليوناً في المكان الفلاني، وأريد أن نشترك في هذا البيت، فأنا لدي قطعة أرض وأنت عليك البناء، ثم أنا أشتري منك نصيبك أنت من الشراكة، فنحن الآن اشتركنا أنا نسبتي هي الأرض، وتضاف إلى نسبة رأس المال، فالأرض تقوم وتجعل قيمتها مضافةً إلى اثني عشر مليوناً وهي قيمة البنيان، فأصبحنا شريكين وإن كانت نسبتنا متفاوتة، ثم نصيب أحدنا سيدفع إليه أقساطاً ولو بالربح؛ لأنه سيخرج من الشركة فيبيع أسهمه فيها، فمثلاً لو قدر أن قيمة الأرض مليونان، وأن قيمة البنيان اثنا عشر مليوناً، فالمشروع بكامله قيمته أربعة عشر مليوناً، اثنا عشر مليوناً لطرف آخر، ومليونان لطرف، وهما شريكان في هذا المشروع بنسبة مالهما، فإذا أراد صاحب الأرض شراء نصيب الآخر فإنه سيشتريه منه بأكثر من اثني عشر مليوناً، يقول: أنا أشتري منك نصيبك بستة عشر مليوناً مقسطة على ثلاث سنوات مثلاً أو على سنتين، في كل شهر أدفع إليك كذا.

عقد الإيجار المنتهي بالتمليك

ويدخل في هذا القبيل ما يسمى بالإيجار المنتهي بالتمليك فهو أيضاً سلف جر نفعاً، والإيجار المنتهي بالتمليك أصله عدم الثقة بين الدائن والمدين، فلما شاع في الناس الإفلاس، وشاع فيهم الخيانة ونقص الأمانة، وكانت حاجتهم ما زالت قائمةً إلى التعامل فيما بينهم، ابتكر الناس هذا النوع من العقود الذي يسمى بالإيجار المنتهي بالتمليك، وصورته أن هذه الشركة تبني منازل فتقسطها على الناس تعلم أن التكاليف الكاملة للمنزل هي ثلاثة ملايين، وأن الربح المفترض هو ثلاثة ملايين أخرى، فيكون قيمة المنزل لدى الشركة ستة ملايين، فتستأجره لفلان في كل شهر يدفع ثلاثين ألف، فإذا كمل المبلغ المطلوب وهو ستة ملايين استحق ملك البيت، فيكون قد ملكه؛ لأنه دفع الثمن الذي بذل فيه والربح الذي تطلبه الشركة، ولكنهم لا يسمون هذا بيعاً؛ لئلا يتخلف في سداد بعض الأقساط، ويكون قد بيع إليه بيت فاستغله، فأصبح البيت قديماً لا يرد قيمته جديداً لو استخرج منه البيت بالغصب مثلاً، فتكون قيمة البيت قد نقصت، فلذلك يحتاطون لأنفسهم بأن يجعلوا العقد مجرد عقد إيجار، فإذا انقطع الإنسان عن السداد، أخرج من البيت وأصبح استغلال الماضي في مقابل الأجرة التي أخذت منه، ومثل هذا في السيارات، الإنسان يشتري سيارةً من المصنع أو من الشركة الموردة، هذه السيارة هي مثلاً لاندكروزر فيكس وثمنها أربعة عشر مليوناً، هذه الأربعة عشر مليوناً إذا كانت في الذمة ديناً كلها، فقد لا يؤديها الإنسان بالأقساط، قد لا ينتظر بالأقساط، فلذلك تعتبر إيجاراً منتهياً بالتمليك، فيقال: سدد لنا في كل شهر مائة وأربعين ألفاً، وبعد تمام المدة تملك أنت السيارة، هذه هي الصورة الروتينية المعهودة قديماً للإيجار المنتهي بالتمليك، وهي التي ما زال يعمل بها في كثير من المناطق في العالم الغربي، وقد طور الإيجار المنتهي بالتمليك في بعض البلدان في العالم الإسلامي تطويراً لا يبيحه ولا يحله، فمثلاً في بعض الشركات في العالم الإسلامي تجعل النسبة التي توزع على الإيجار قاصرةً عن المبلغ المطلوب، فمثلاً إذا كان بنيان البيت كلف ثلاثة ملايين، والربح المفترض ثلاثة ملايين، فإنهم يوزعون الإيجار على أنه أربعة ملايين، ويتركون مليونين، فإذا كملت المدة، وكان الشخص فيها ثقةً، فسدد كل الأقساط فتمت أربعة ملايين يبيعون عليه البيت من جديد بمليونين فقط، وهذا ثلث سعر البيت، يعني البيت في الأصل ستة ملايين، وقد بيع للإنسان بعد انتهاء مدة الإيجار بثلث قيمته، فهذا النوع إذا لم يقصد في الأصل أن يكون إيجاراً منتهياً بالتمليك، فلا حرج فيه؛ لأنه ترخيص، والترخيص من الأمور الجائزة، يجوز للإنسان أن يرخص بضاعته أن يبيعها بأقل من ثمنها للحاجة ولغير حاجة، إلا إذا كان ذلك يؤدي إلى ضرب السوق، والتأثير على الأسعار تأثيراً فادحاً، فهذا فيه إدخال الضرر على الناس، كمن يستورد بضاعة وهي موجودة في السوق، ولها ثمن متعارف عليه فيبيعها هو بأقل من الثمن المتعارف عليه في السوق؛ ليضرب التجار الذين استوردوا قبله، فهذا إذا كانت البضاعة يسيرةً لا تغطي حاجة السوق فهو حرام؛ لأنه إدخال للضرر على الموردين الآخرين، وهذه القاعدة معروفة لدى المالكية، وقد قال فيها أحد العلماء: يمنع ترخيص القليل إن أضر بباعة الأسواق رفعاً للضرر.

وقد أنكرها ابن رشد رحمه الله في (البيان والتحصيل) وذكر: أن المرخص إنما هو مأجور أو مشكور، إذا كان يريد الآخرة فهو مأجور؛ لأنه تصدق بنقص قيمة الأشياء، وإذا كان يريد الدنيا فهو مشكور؛ لأنه باع بأقل من الثمن، فقال: هو إما مأجور أو مشكور، ومع هذا فالدليل على القاعدة هو أن عمر رضي الله عنه كان يقول لأهل السوق: بع كما يبيع الناس، أو فارتفع عن سوقنا، وقد أخرج ذلك عنه مالك في الموطأ، ولذلك يقول الشيخ محمد علي رحمه الله:

وقل لمن أراد ترخيصاً بعِ كما يبيع الناس أو فارتفع

كما رواه مالك عن عمر لذاك قال بعض من تأخر

يمنع ترخيص القليل إن أضر بباعة الأسواق رفعاً للضرر

وصاحب البيان سام بالغلط من لام من سامح في البيع وحط

وقال: بل مشكور أو مأجور وإنما يزجر من يجور

ولكن الواقع أن الأول هو الأفضل؛ لأن مراعاة حقوق الشريحة الكبرى من أهل السوق أولى من مراعاة شعور شخص واحد، فتضمن المصلحة العامة ولو كان ذلك على حساب شخص واحد، والإيجار المنتهي بالتمليك حصل منه عدد من التجارب في بلادنا هذه، وبالأخص في مجال السكن مثلاً قديماً كانت هنا شركة السوسين، ثم بعدها شركة سيكوجين، وكل ذلك على الطريقة القديمة في الإيجار المنتهي بالتمليك، وهو عقد لا يرى أحد من الفقهاء جوازه على هذه الطريقة؛ لأنه فيه عدد من المحظورات الشرعية.

أولاً: فيه التردد بين أن يكون العقد إجارةً وبين أن يكون بيعاً.

ثانياً: صورته أنه سلف جر نفعاً؛ لأن الإنسان يقدم ذلك الثمن، وفي النهاية سينقص له في سعر المبيع.

وكذلك من صور القرض الذي يؤدي إلى نفع، إذا كان الإنسان مثلاً صاحب صيد تقليدي، وهو يحتاج إلى كثير من النفقات، فيتعامل مع صاحب شركة التسويق على أن يدفع له كل النفقات ويتولى عنه بيع الأسماك وتثليجها، وهو عاجز عن مثل هذه الخدمات، فصاحب الصيد التقليدي ليس لديه إمكانية لتثليج الأسماك ولا لتسويقها، وهي محتاجة إلى كثير من الخدمات في هذا المجال، فيقول: أنا سأقرضك كل ما تحتاج إليه، وأمول لك المشروع كاملاً، ولكن شريطة أن تبيع إلي كل ما أتيت به من السمك بسعر كذا وكذا، بسعر أقل من السعر المعروف في السوق، فهذا النوع هو قرض جر نفعاً بهذه الصورة؛ لأنه دفع إليه هذا المبلغ وانتفع بالترخيص حين رخص له، فأصبح السمك يباع بنصف قيمته أو بثلثيها مثلاً، لكن يمكن الحل في هذه القضية وبالأخص أنها أصبحت دارجةً سائدةً في بلادنا، فأصبح كثير من الذين يتعاطون الصيد التقليدي يتعاملون بهذا النوع من التعامل، وحلها هو بالشراكة، أن يقول: أنا شريك معك، فسأتولى أنا المصاريف المادية، ولا بد أن تكون مضبوطة معلومة، وتتولى أنت قضية الصيد، والمنتج الذي يأتي يكون بيننا لك فيه نسبة كذا وكذا، ولي فيه نسبة كذا وكذا، فيكون هذا شراكةً لا قرضاً، وهذا يحل المشكلة ويحقق الربح لكل واحد منهما.

هذا عن القاعدة الأولى، والأم الأولى من أمهات الربا وهي: كل سلف جر نفعاً فهو ربا.

وكذلك ما يحتال الناس به من الحيل على هذا القرض، بأن يحول بين المتعاملين عرض لا يقصد لذاته، كما إذا كان إنسان يحتاج إلى مبلغ من النقود، ولا يجد من يقرضه قرضاً لوجه الله تعالى بدون مقابل، فيأتي آخر فيقول: أنا محتاج إلى مبلغ كذا وكذا، فيقول: سأعطيك هذا المبلغ وتربحني عليه نسبة عشرين في المائة أو نسبة ثلاثين في المائة لمدة كذا، ولكني سأدفع إليك إسمنتاً أو حديداً أو بضاعةً من البضائع، فهو لا يريد البضاعة، ولذلك سيبيعها بأقل من ثمنها، فهذا العقد ظاهره أنه بيع إلى أجل؛ لأنه دفع إليه بضاعةً والتزم له مبلغاً مالياً مؤجلاً، لكن الواقع أن هذا الرجل إنما يريد القرض ولا يريد تلك البضاعة، ولهذا يبيعها بأقل من ثمنها، فلهذا كان هذا قرضاً جر نفعاً، والبضاعة التي حالت بين المتعاقدين لغواً، ولذلك قال مالك في مثل هذا التعاقد: انظر إلى اليد السابقة في الدفع، فإن عاد إليها أكثر مما دفعت فامنع. واليد السابقة في الدفع هي يد المقرض، إذا عاد إليها أكثر مما دفعت فاعرف أن هذا ربا.

وكذلك من هذا القبيل أيضاً حيلة الناس في السلم، كأن يقول له: أنا سأدفع إليك النقود الآن ولكن أعطني خمسين طناً من السكر مثلاً إلى أجل ستة أشهر، وهو يعلم أن خمسين طناً من السكر ثمنها الآن أكثر بكثير من المبلغ الذي استلمه، فهذه صورة السلم، في الأصل السلم عقد لا غبار عليه، وهو من العقود الجائزة كما سبق بيانه، لكنه إنما احتال بها على قرض جر نفعاً؛ لأنه في الواقع لا يفكر إلا أنه أخذ ثلاثة ملايين من هذا الشخص، وأنه سيعيد إليه أكثر منها، ولذلك إذا حان الأجل فكان السكر قد ارتفع سعره مثلاً عن أكثر مما كان في ذلك الوقت أو انخفض، يحتاجان حينئذ إلى تعامل من جديد، فيصطلحان على مبلغ معين، وهذا ما لا يمكن في السلم، فالسلم لا يحل فيه التبديل، إذا كان الإنسان قد أسلم إلى آخر في سيارة، فإذا حان الأجل لا بد أن يأخذ منه السيارة، أو أن يتفاسخا، ويرد إليه الثمن، ولا يمكن أن يبدلها فيقول: لا، أنا لم أعد محتاجاً إلى السيارة ويريد بضاعةً أخرى، وهذا لا يمكن أن يتم في السلم.

كذلك من هذا النوع من الحيل أيضاً البطاقات الائتمانية التي يشترط فيها إذا تأخر الإنسان عن الاستدان في وقت محدد أن يزاد عليه مبلغ، سواءً كان نسبةً مئويةً أو كان مبلغاً مقطوعاً، والبطاقات الائتمانية على أنواع، فليست هي كالعقد الواحد، وهي اليوم أصبحت محل ضرورة في كثير من بلدان العالم؛ لأن الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، أو حتى في أوروبا، لا يستطيع قص تذكرة من وكالة سفر إلا ببطاقة ائتمان، ولا يستطيع أن يحمل معه النقود إذا خرج لأية حاجة، وحتى المحلات التجارية كثير منها يشترط أن لا يتعامل بالنقود بل يتعامل ببطاقات الائتمان، فبطاقات الائتمان على مختلف أنواعها فكرتها في الأصل أنها عقد تمويل، فأنا أسدد عنك المبالغ المستحقة إلى مبلغ كذا، مثلاً كل بطاقة ائتمان بحسب ما فيها، إما عشرة آلاف دولار، وإما عشرين ألف دولار مثلاً، فالشركة المصدرة للبطاقة تتحمل السداد إلى أن يصل الدين إلى هذا المبلغ، ولذلك يقتطع عن طريق الكمبيوتر هذا المبلغ من الضمانة الموجودة، ثم يسدد الإنسان في الأجل المحدد وهو ما بين تسعة وعشرين يوماً وواحد وثلاثين يوماً، يسدد المبلغ الذي سدده عنه البنك المصدر لبطاقة الائتمان، فإذا اشترط البنك المصدر لبطاقة الائتمان زيادةً على المدفوع، فهذا عقد ربوي، ومذهب الجمهور بطلانه مطلقاً؛ لأنه فاسد، ويرد إليه رأس ماله، ولا يلزمه رد زيادة، وعند الشافعية أن هذا العقد يبطل منه محل الربا، ويصحح هو، فعلى ذلك يبقى الأجل إذا كان مؤجلاً إلى أجله، لكن لا يجب عليه رد أكثر مما أخذ، ومحل هذا عند عدم الضرورة، أما إذا كان أحدنا مسافراً في بلد، لا يستطيع فيه الوصول إلى ضرورياته أو حاجياته؛ إلا عن طريق بطاقة الائتمان كما هو الحال الآن في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وكثير من البلدان، فلا يستطيع الإنسان شيئاً إلا أن يتعامل مع الشركات المصدرة لبطاقات الائتمان، فإذا وجد فيها شركةً لا تشترط هذا الشرط فذلك أولى، وإن لم يجد إلا الشركات التي تشترط هذه الزيادة عند التأخر، فعليه أن يحرص على عدم التأخر، وأن يسدد في الوقت، حتى لا يكون موكلاً للربا.

كذلك من أنواع القرض الذي فيه زيادة: قروض السكن التي تصدرها بعض البنوك التي تتولى الإسكان في كثير من البلدان، ومثلها القروض الزراعية التي تنتهز الفرصة في المحتاجين، فتجد أن هذا المزارع يحتاج الآن إلى تمويل لإقامة مشروعه، وهو عادم للنقود ويحتاج إلى سيولة، فتدفع إليه سيولةً ثم تأخذها منه بالزيادة المؤجلة، فهذا قرض جر نفعاً وهو ربا، سواءً كان ذلك في السكن، أو في الزراعة، أو في غيرها.

وكذلك ما يشترطه بعض الشركات على الذين تمنحهم للدراسة في بعض التخصصات، فتشترط عليهم زيادة نسبة عشرين في المائة على ما أنفقت عليهم، مثلاً هذه الشركة تبتعث طالباً للدارسة في تخصص محدد، وتنفق عليه مبالغ محددة، مثلاً منحة قدرها مائة وخمسين يورو في الشهر، وتذكرة سنوية ذهاباً وإياباً إلى البلد الذي خرج منه، وتتولى عنه رسوم الدراسة في الجامعة التي يسجل فيها، لكن إذا أراد هو الانسحاب فسيدفع جميع ما صرفت عليه الشركة مضافاً إليه نسبة عشرين بالمائة مثلاً، فهذا النوع قرض ربوي؛ لأنه قرض جر نفعاً فهو ربا.

وكثير من هذه التعاملات تجري دون أن يشعر الإنسان أنها من هذا القبيل من الربا، ولها حلول وبدائل، فالإنسان الذي يريد أن يعامل الناس تعاملاً صحيحاً، لا بد أن يكون واضحاً في الطرح، يبين أنه لا يريد قرضاً، وأنه يريد كذا وكذا، حاجتي هي سيارة، أو حاجتي هي منزل، وهذه السلعة التي أرغب فيها، وأنا أعلم أنها الآن تساوي كذا وكذا، وأنا عاجز عن تسديدها، فأريد أن تشترك معي مثلاً، أو أريد أن تشتريها لي ثم تبيعها علي، هذا كله من الأوجه التي هي حلال وليس فيها ربا، إما الشراكة وإما المرابحة للآمر بالشراء، فالشراكة كأن يكون هذا الإنسان محتاجاً إلى بيت، وليس لديه نقود لتوفير هذا البيت، ولكنه يعلم أن البيت يكلف مثلاً اثني عشر مليوناً، فيأتي فيقول: أنا محتاج إلى بيت يكلف اثني عشر مليوناً في المكان الفلاني، وأريد أن نشترك في هذا البيت، فأنا لدي قطعة أرض وأنت عليك البناء، ثم أنا أشتري منك نصيبك أنت من الشراكة، فنحن الآن اشتركنا أنا نسبتي هي الأرض، وتضاف إلى نسبة رأس المال، فالأرض تقوم وتجعل قيمتها مضافةً إلى اثني عشر مليوناً وهي قيمة البنيان، فأصبحنا شريكين وإن كانت نسبتنا متفاوتة، ثم نصيب أحدنا سيدفع إليه أقساطاً ولو بالربح؛ لأنه سيخرج من الشركة فيبيع أسهمه فيها، فمثلاً لو قدر أن قيمة الأرض مليونان، وأن قيمة البنيان اثنا عشر مليوناً، فالمشروع بكامله قيمته أربعة عشر مليوناً، اثنا عشر مليوناً لطرف آخر، ومليونان لطرف، وهما شريكان في هذا المشروع بنسبة مالهما، فإذا أراد صاحب الأرض شراء نصيب الآخر فإنه سيشتريه منه بأكثر من اثني عشر مليوناً، يقول: أنا أشتري منك نصيبك بستة عشر مليوناً مقسطة على ثلاث سنوات مثلاً أو على سنتين، في كل شهر أدفع إليك كذا.


استمع المزيد من الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي - عنوان الحلقة اسٌتمع
فقه المعاملات [3] 3342 استماع
فقه المعاملات [7] 3105 استماع
فقه المعاملات [2] 2733 استماع
فقه المعاملات [4] 2305 استماع
فقه المعاملات [5] 2301 استماع
فقه المعاملات [6] 2137 استماع
فقه المعاملات [1] 1420 استماع