فقد أسندت قواعد النحو إليه وارتكزت عليه كما مرّ سابقًا، ولا نريد بهذا أن نقول بضعف الشاهد الشعري، إلا أننا نجد أن عناية المتقدمين بالشاهد الشعري دون غيره من الشواهد ترجع إلى أسباب [1] جعلت هذا الأمر سائدًا في كتبهم [2] .
ولهذا يقول الدكتور أحمد ماهر: (( نحن نرى أن الشواهد الشعرية قد احتلت مكانها في كتب النحو لصيرورتها وإذاعتها بين الناس، تلك الصيرورة التي وقف الشاعر حيالها حائرًا لقول منه مضى .... فهو لا يستطيع إعادته إلى نفسه بعد أن تناوله الرواة، إذ كان الشعر علم قوم ولم يكن لهم علم أصح منه ) ) [3] .
أما الابتعاد عن الاستشهاد بشعر المولدين، فإنه يفسح المجال أمام الشاهد القرآني للتفوق والتميز كونه لا يدخل فيه اللحن فقد كان شعر الطبقات السابقة (( مدعاة لنظر هادئ متلبث في مستوى عربية الشعر وفصاحتها وخلوها من اللحن الذي أخذ بالظهور على ألسنة الجيل الأول من المولدين ) ) [4] .
وكان ابن السراج (ت 316 هـ) ، في كتابه الأصول في النحو (( كثير الاستشهاد بالقرآن الكريم وقراءاته المختلفة .... ثم الشعر قديمه وحديثه وجاهليّه وإسلاميّه، ثم بعد ذلك الحديث والأمثال ) ) [5] .
فهو يقدم الشاهد القرآني إن وجد على غيره .... فقلما يخلو باب من أبواب الكتاب دون أن يستشهد بآية قرآنية يؤيد بها رأيًا أو يعارض غيره، أو ليثبت رأيه في بعض المسائل النحوية واللغوية [6] .
(1) ينظر: الضرورة الشعرية دراسة لغوية ونقدية، د. عبدالوهاب محمد العدواني، مطبعة التعليم العالي جامعة الموصل، 1990 م: 92 - 93.
(2) ينظر: الرواية والاستشهاد باللغة، د. محمد عيد، عالم الكتب، القاهرة، 1987 م: 126.
(3) الشواهد الشعرية: 37.
(4) الضرورة الشعرية: 91. وينظر: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب على شواهد شرح الكافية، للبغدادي (ت 1093 هـ) ، تحقيق: عبدالسلام هارون، ط 3، 1989 م: 1/ 6. والمدارس النحوية، د. خديجة: 96 - 176.
(5) ابن السراج في كتابه الأصول (رسالة ماجستير) ، حامد فرحان، جامعة بغداد، 1990 م: 77.
(6) ينظر: المصدر السابق: 77.