فَقَرأ الحَدِيث الثاني فَقَالَ: ليسَ مِنْ حديثي، اضربْ عليه، ثم قَرَأ العشر الثالث و قَرَأ الحديثَ الثالثَ فَتَغَيرَ أبو نُعَيم، وَانقلبتْ عيناهُ وأقبلَ على يحيى فَقَالَ: أمَّا هذا - وذراعُ أحمد في يدهِ - فأورع من أنْ يعملَ هذا، وأمّا هذا - يريدني - فأقلّ من أنْ يعملَ هذا، ولكن هذا مِنْ فعلكَ يا فاعل، ثمّ أخرجَ رجلَه فَرَفَسهُ فَرَمى بهِ، وقَامَ فَدَخَلَ دَارهُ، فَقَالَ أحمد ليحيى: ألم أقلْ لكَ إنّه ثَبتٌ قَالَ: واللهِ لرفستُهُ أحبُّ إليّ مِنْ سفرتي )) .
وفي روايةٍ أنَّ يحيى بنَ معين قامَ وقبله وقالَ: (( جزاكَ اللهُ خيرًا، مِثلُكَ منْ يُحدث، إنَّمَا أردتُ أنْ أجرّبكَ ) ) [1] .
وأبو نُعَيم هذا هو الذي قَالَ للوالي في محنة خلق القرآن: (( عُنُقي أهونُ عِندي من زِرِّي ) )وإليكَ القصة بتمامِها:
قَالَ أبو بكر بنُ أبي شيبة: لمَّا أنْ جاءتْ المحنة -محنة خلق القرآن-إلى الكوفة قَالَ لي أحمدُ بنُ يونس: ألق أبا نعيم فقلْ له، فلقيتُ أبا نُعَيم فقلتُ له، فَقَالَ: إنما هو ضربُ الأسياط، فلمّا أُدْخل أبو نُعَيم على الوالي
(1) الرحلة في طلب الحَدِيث (ص: 207) ، المجروحين (1/ 33) ، تاريخ بغداد (12/ 353) ، الجامع لأخلاق الراوي (1/ 136) .
وفي هذه القصة فوائد حديثية وتربوية فمن ذلك:
-بيان إحدى طرق النقاد لمعرفة ضبط الرواة وهي: إدخال الحديث على الراوي.
-وتشدد ابن معين في معرفة الرواة وضبطهم فهو يريد أن يصل إلى الطمأنينة التامة.
-وتحمل المحدثين لما يحصل لهم من رفسٍ وغيره في سبيل خدمة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالرفسة تكون محببة إليهم- أحيانًا! رحمهم الله -.
وأنبه أنّ مثل هذه الفوائد ليست مستنبطة من هذه القصة فقط بل لها نظائر كثيرة فلا يظن ظان أنه بمجرد أن تستنبط فائدة من"سير المتقدمين وقصصهم"تجعل هذه الفائدة قاعدةً مطردةًَ للمحدثين كلّهم، هذا لا يقوله أحدٌ بل مثل هذه الفوائد لجعلها قاعدة أو قرينة أو منهجًا لا بدّ من الاستقراء والتتبع ثم النظر والتحليل والموازنة.