خلقة، فهذا لاعلاج له عندهم، بخلاف من كان مبصرا فأصابه العمى، فقد يجدون له دواء بل تحداهم بما لاقدرة لهم عليه ألبتة، وهو إحياء الموتى، ورد ما فقدوه من أرواحهم، وهذا شيء قد أخرس لسان الطب، ولاوصول لهم إليه بل قد تحداهم بأعظم من ذلك كله، وهو أنه يخلق من الطين كهيئة الطير، كما قال ـ جل وعلا ـ على لسان عيسى ـ: {ورسولا إلى بني إسرائل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} [1] ولم يقدر الأطباء على علاج هذه الأمراض، أو يروموا الوصول إليها، أو يقتحموا حصونها، أو يتسوروا جُدُرَهَا، فأي تحد أعظم من هذا التحدي.
لكن معجزات هؤلاء الأنبياء والمرسلين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لم تدم ولم تبق بعد موتهم، وإنما كل نبي تنتهي معجزته معه.
ثم بعد هذا بعث الله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعله خاتم النبيين، وأرسله إلى قوم أميين، وأنزل عليه هذا الكتاب المبين، وجعله معجزته الباقية الباهرة إلى يوم الدين، فأخرس بها ألسنة الفصحاء وقطع بها دابر البلغاء أن يعارضوه، فكان هذا القرآن أعظم حجة تحداهم به، مع براعتهم في البلاغة، ومهارتهم في الفصاحة، اللتين تفوق فيهما المجتمع القرشي على غيره من المجتمعات العربية الأخرى وذلك أن اللغة العربية تكامل نضجها، وتم طبخها، وصقلت
(1) آل عمران آية: (49) .